كان "كولن باول" أكثر شجاعة من الرئيس بوش، عندما اعترف بأنه خُدع بوجود أسلحة دمار شامل في العراق، وأعلن ندمه، باعتبار ذلك يُلحق عاراً بتاريخه، وقد كان بين نسور بوش (ديك تشيني) نائب الرئيس، و"رامسفيلد" وبقية المحافظين الجدد، الشخصية الأكثر واقعية وفهماً في النواحي العسكرية والسياسية، لكنه، بعد كشف الحقائق، آثر التنحي عن الخارجية، وكان محقاً ومستجيباً لدعوة ضميره الذي لا يستطيع أداء دور الكومبارس في جوقة الحكومة..
الرئيس بوش في مقابلة تلفزيونية قال إنه يترك البيت الأبيض مرفوع الرأس، ورغم اعترافه بإخفاق الاستخبارات وإيهامه بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، فإنه لم يكن على نفس الدرجة مع باول في نقد المرحلة التي عاشها رئيساً لأكبر دولة في العالم، وقدم أسوأ الأفعال، سواء في الداخل أو الخارج..
فقد شن الحروب، وتعامل بغطرسة مع الدول الأوروبية، واعتبر بقية دول العالم مجرد تابع لأوامر البيت الأبيض، ورغم ذلك كان من المفترض أن يعلن أسفه لأرواح شعبه الذين ذهبوا ضحية حربيء العراق وإيران، وأن ينظر للنكسات السياسية بأنها سلوك غير واقعي، ويُظهر شجاعة أمام الانتكاسة المالية، وسوء السمعة لأمريكا التي تسبب بها طيلة فترة حكمه التي امتدت ثماني سنوات..
لقد كان تشرشل في وزن بوش بعد الحرب العالمية الثانية التي عاد منها بطلاً وطنياً، ومع ذلك لم ينتخبه شعبه لأن دوره كقائد عسكري يختلف عن رئاسة الوزارة، وعندما تقلصت شعبية الرئيس ديغول قدم استقالته، لكن بوش لم يقم بذات المبادرة ويضع أخطاءه في ميزان النقد، ولعل ما يخفيه أو ما لم يعترف به، سوف تكشفه وسائل أخرى إعلامية وتاريخية، وبصرف النظر عن ميزان العدالة في حكمه، سواء بفتح السجون في العراق، أو كوريا، أو إخفاء المسجونين في قواعد أو سجون مدن عالمية أخرى، فإن الوثائق ستكون كاشف الحقيقة لأي ممارسات خاطئة، وقد تضيع أي إنجازات، إن وجدت، في زحمة الممارسات الخاطئة لتلك المرحلة..
ليس وزن الرئيس الأمريكي، بوزن رئيس دولة ثانية أو رابعة، لأن ما يتخذه من قرارات سواء في الشأن الخاص الداخلي، أو ما يتعلق بالعالم، يظل تأثيره كبيراً، والدلالات كثيرة، وآخرها نشر صواريخ على حدود روسيا مما استفز الأخيرة فكان أن دخلت في سباق تسلح ومهاجمة جورجيا، وربما تعيق امتداد حلف الأطلسي لدول أخرى، ويأتي دعمه لإسرائيل الذي فاق التوقعات وخرج عن سياسة المصالح الاستراتيجية إلى التمازج الروحي معتبراً إسرائيل مقر عودة المسيح عليه السلام ومنارة المستقبل الروحي، أي أنه انطلق من الجانب الديني ليغذي دعمه لإسرائيل وفق هذه القناعات، والاعتقادات..
الرئيس تجاوزت أخطاؤه أشياء كثيرة، والتاريخ له حساباته عندما يرفع بعض الزعامات إلى مراكز البطولة، أو يضعها بجانب هولاكو، ونيرون حارق روما..