بحث



الثلاثاء 4 ذي الحجة 1429هـ - 2 ديسمبر2008م - العدد 14771

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ايقاع الحرف
التغيير والتفكير خارج الصندوق

ناصر الحجيلان
    هناك قصة ظريفة تعتبر من الركائز الواضحة لفلسفة إفلاطون يشرح فيها هذا الفيلسوف الكبير كيف يمكن أن يكون التغيير مخيفًا للبعض بحيث يعيشون ويموتون وهم في غفلة عن "الحقيقة".

والقصة وردت على النحو التالي: هناك سيدة ترعى مجموعة من الأطفال منذ صغرهم داخل كهف مظلم ولم يخرجوا يومًا ليروا النور، ولايعرفون ما حرارة الشمس أو ما ظل الشجر ومالون الورد أو ماشكل العصفور وماطعم الندى أو رائحة المطر. وكانت تشرح لهم عن العالم بطريقتها ومنظورها وحينما كبروا قليلا بدأت بتقليد شخصيات وأشكال تتأرجح على ضوء شمعة تضيئها خلف صخور الكهف. وكان الأطفال -الذين أصبحوا شبابًا الآن- يتعلمون كل ماتريدهم السيدة أن يعرفوه من تلك الخيالات المسرحية ولم تسمح لهم بمعرفة أي شيء آخر، حتى جاء ذلك اليوم الذي بدأ فيه أحدهم يتجوّل في الكهف بعيدًا عن مكانهم الذي اعتادوا عليه، ثم لمح بصيص نور غريب فتبعه. وماهي إلا لحظات حتى خرج للدنيا ورأى مالم يحلم به يومًا وشعر أن قلبه سيقفز من فرحة لقاء العالم ورؤية هذا الجمال الإلهي الساحر فركض مسرعًا إلى داخل الكهف وهو يصرخ لكي يخبر أصحابه عن المفاجأة السعيدة التي وقع عليها وعن العالم الذي لم يحلموا به يومًا ولكنهم لم يصدقوه بل اتهموه بالكذب وأنه يريد أن يؤذيهم حتى يخرجهم من بيتهم ويستولي عليه وحده، فقتلوه، وبقوا في ظلمة الكهف حتى ماتوا.

هذه الحكاية تشرح بشكل واضح كيف يمكن أن يكون التغيير مرعبًا لدى البعض حتى لو كان تغييرًا نحو الأفضل، والمشكلة ليست في وجود هذا التغيير لأن الإنسان يمكن أن يتعرّف على هذه الفكرة الجديدة وقد يرفضها بعد أن يرى نفسه في غنى عنها، ولكن المصيبة هي في محاربة الأفكار الجديدة برمّتها وكأنها هجوم على الحياة بينما هي مجرد اختيار متوفر قد يؤخذ به عند الحاجة إليه أو لايؤخذ إن لم يكن له فائدة بينة.

الخروج عن المألوف واكتشاف شيء جديد هو سلوك غير معروف لدى شريحة عريضة من العرب لأن الثقافة العربية تعزز الحياة الروتينية بل والتفكير الروتيني والاكتفاء بالمألوف ونبذ المختلف الذي غالبًا ماينظر إليه على أنه "غريب". لذلك فالإبداع ضمن ثقافة بهذا الشكل يحتاج مجهودًا مضاعفًا لأن المفكر سيحارب جبهة ثقافية وأخرى مادية، وهذا يشتت الطاقة العقلية ويجعل البعض يتساءل هل الإبداع يستحق كل هذه التضحية وهذا العناء؟

تحتاج كل المجتمعات إلى فئة مفكرة وأخرى منفّذة، ورغم أنه في كثير من الأحيان مايكون المفكر منفذًا لفكرته إلا أن الحاجة تبقى ماسة لفئة المبدعين الذين لايرفعون سقف الإنتاج فحسب بل يرفعون مستوى المعيشة ويغيرون فلسفة الحياة لدى كثير من الناس لأن الإبداع لن يكون بعد ذلك مخيفًا ولابعيد المنال، بل شيء فطري لا يوجد تأثير مفيد بدونه.

12 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


اها ,, لانهم يصعب عليهم توسيع دائرة الارتياح ,,


أحمد رزق الله
ابلاغ
07:37 صباحاً 2008/12/02

 


شكرا على هذه القصه..
ذكرتني بفلم Horton hears a Who من كتب د.سوس
^_^


هند
ابلاغ
08:35 صباحاً 2008/12/02

 


,الله مقالة مفيدة وذكية
لك تحياتي الرائعة


سليمان
ابلاغ
10:01 صباحاً 2008/12/02

 


لم تعتاد بعض الصدور لتنفس هواءا نقيا خارج صندوق المجتمع الذي بنت المناهج اعشاشها ونثرت افراخها هنا وهناك لتحافظ على النمطيه التي الصقها البعض بالدين وهو بريء براءة الذئب من دم الصديق!
ولكن النخب الواعيه ما زالت تتقدم خطوه وتتراجع عشرا لان عصا التعصب تتارجح امامهم فيطأطوا الروؤس املا في مخرجا أخر..
لن يخرج الاطفال التي فرضت الوصايه عليهم برغبتهم الا اذا كان من بالخارج مجتمعين ليهدموا ذاك الكهف فيدخل النور !!قد يكون هناك خسائر فالبعض سوف يصاب بعمى النور المفاجئ لكن لن يلبث ويعود لرؤية الجمال!!


هدى
ابلاغ
10:27 صباحاً 2008/12/02

 


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
قصه رائعه.. ذات دلالة جميله
نعم الكثيرون يخافون من التغيير.. لكن ماان يُجبروا عليه حتى يتأقلموا معه ويحبوه
مثل السفر للدراسه في الخارج. الكثير رفضه في البدايه للغربه والفراق
وفي النهايه عرفوا فائدته بالاعتماد على الذات ونيل الشهادات والخبرات
فلنتغير للأفضل..
:)
جزيت خيرا كثيرا


دلال
ابلاغ
10:57 صباحاً 2008/12/02

 


سعادة الأستاذ الحجيلان حفظة الله
أوافقك الرأى 100% بأن الحياة دون إبداع هي كبركة مياه راكدة.
أوفقك الرأى بأن ثقافتنا ثقافة(يالله لا تغير علينا) وثقافتنا الدينية تحارب الإبداع خوفاً من الإبتِداع. أوفقك الرأى بأننا لن نتقدم مالم ننتهج الإبداع في تفكيرنا ومالم نشجع الإبداع والمبدعين والتفكير الإبداعي. لكن الإنسان كي يبدع يحتاج إلى أرضية وضروف معينة وإلى بيئة محفزة، متى ما توفرت نبتت شجرة الإبداع وتفرعة أخصانها وحصدنا ثمرها. الإبداع هو قمة تفكير الإنسان وهو الثمرة وبدونه سنزرع ولن نحصد سوى الحصرم.


أبوعبدالرحمن الشافعي
ابلاغ
11:07 صباحاً 2008/12/02

 


أنا عاشق للفلسفة وقد درستها حينما كنت في أمريكا وقد كان معظم الفلاسفة يختارون أمثلة وقصصا قريبة للغاية من بيئة الناس ولكن فيها عبر غنية أعتقد من المخجل أن نقارنها بقصص الأطفال مثل ما فعلت أحد الأخوات.
قصة افلاطون تحمل معان جميلة نستطيع أن نفهم منها أمورا كثيرة...هل فكر أحدكم يوما أنه الآن يعيش في ذلك الكهف المظلم بينما هو يعتقد أن حياته لابأس بها؟ كثير من العرب يعيش حياة كما يريد الآخرين ومع الزمن يتآلف مع هذا النقص ويصبح شيئا طبيعيا...هل نقدر أن نسمي هذه حياة؟
برأيي...هذا عذاب حقيقي
شكرا


إياد
ابلاغ
11:11 صباحاً 2008/12/02

 


مقال رائع استاذي الفاضل.المجتمع الذي يخاف من التجديد ومن كل شي جديد هو مجتمع (معطل) عالة على البشرية!!


محمد خالد
ابلاغ
01:02 مساءً 2008/12/02

 


البعض لا يحارب الأفكار فقط بدعوى أنها دخيلة... بل حتى الناس مثلا أهل مدينة جدة محاربين من كثير من أهل بعض المناطق بسبب أنهم ليسو مثلهم و بتهمون بأنهم هم من سيفسد الدين و و...


Mohammed Adil
ابلاغ
01:10 مساءً 2008/12/02

 10 


أود أن اشكر الأخ الكاتب على مقاله، ولكن
إذا كان يقصد بالإبداع هو الإتيان بشيء جديد، فإن الإنسان العربي هو أكثر الشعوب تغييرا واستحداثا للجديد. ومثال هذا في كثرة ما يجد العربي من حلول للتعاطي مع الأشياء التي لا يرغب بها "كالأنظمة الرسمية"
أما إن كان يقصد بالإبداع أن تأتي بشيء جديد ذا جدوى اقتصادية، فإن الشعب العربي لم يتعود ثقافة تجارة الأفكار. وهذا ما يحتاج أن يركز عليه


أبو سعد
ابلاغ
01:25 مساءً 2008/12/02

 11 


مقال جدا رائع
استفدت منه كثيرا


أحمد العايد
ابلاغ
01:26 مساءً 2008/12/02

 12 


تغيير الرؤية (perspective) من أهم الأمور الأساسية للتفكير خارج الصندوق ومن ثم الإبداع والتغيير. على فكرة أدعوكم لمشاهدة فلم الآخرون (The Others) للبطلة نيكون كيدمان ولكن بدلا من أن تعتقدوا أنها وأطفالها عائلة تعيش في منزل قديم عليكم أن تعرفوا أنها كانت تمثل دور سيدة توفيت تعيش مع أطفالها التي قد قامت بقتلهم..وهذه العائلة هم أشباح بينما من كانوا يظنونهم أشباحا هم في الحقيقة بشر...تغيرت الرؤية فيتغير معها فهم الأشياء. والشئ ذاته صحيح حينما نفرق بين الخير والشر..كلها في الغالب وجهة نظر ومصلحة.


وردة العمر
ابلاغ
03:08 مساءً 2008/12/02


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية