الاستهتار بين التخلّي والتبني..
أعترف وأنا أحد العاملين بالمرور (سابقا) بأنني لم أكن/نكن نعطى اهتماماً للأثر النفسي على سلوك السائق حتى تبنّت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية دراسة قام بها الأستاذ الدكتور عبدالله النافع وآخرون بعنوان "تحليل الخصائص النفسية والاجتماعية المتعلقة بسلوك قيادة السيارات بالمملكة" أدهشتنا نتائجها ولفتت الانظار الى أهمية العنصر البشري في منظومة حوادث السيارات ومن ذلك الحين أصبحت أبحث عن أيّ دراسة تُعنى بنفسية السائق وأثرها على سلوكه أثناء القيادة وقد كتبت طوال فصل الصيف الماضي عن نظرية "التفاؤلية الدفاعية" وهي حسب تعريف الدكتور محمّد شاكر النابلسي، اعتقاد الشخص أن الأشياء السيئة والأخطار تُصيب الآخرين ولا تُصيبه هو شخصيّاً، مما يحمله على ركوب المخاطر بجرأة غير عادية تُضاعف احتمالات تعرّضه للأخطار، وهكذا فإن اعتبار المرء نفسه أقل تعرضاً للأخطار من الآخرين يدفعه إلى إهمال الإجراءات الوقائية اللازمة، وهذا فيما أظن سبب كثيراً من الحوادث بصفة عامّة وحوادث المرور بصفة خاصة في بلادنا،وفي منحى آخر يرى الأستاذ الدكتور معن خليل العُمر تأثير عملية "التخلي والتبني" على حوادث المرور فحينما لا(يتبنى) سائق السيارة الأنظمة والقواعد المرورية ويقوم بكل تقصّد باختراقها أو إهمالها من أجل تحقيق سلوكه الذاتي وتقديمه على القوانين والمصلحة العامة فهو يعكس الصورة السلبية عن السلوكيات المرورية في الشوارع والطرقات وبالتالي وقوع الحوادث في الوقت الذي لا نرى فيه توجّهاً نحو (التخلي) عن بعض السلوكيات التي شكّلت تلك الفوضى العارمة.
إذاً حين يعتقد الفرد أن الموت في حادث سيارة يحدث للآخرين بينما هو بعيد عنها ويرتكب تبعاً لذلك كل الحماقات، وحين لا يتبنى ذات الفرد السلوكيات الآمنة ولا يتخلى عمّا اعتاد عليه من استهتار فماذا تتوقعون؟؟ الجواب يتضح من عدد القتلى والمصابين الذين يتساقطون على مدار الساعة بسبب حوادث السيارات، شيء مُخيف بالفعل.