الرياض التي شاهدها الصحافي نذير فنصه امتداداً رملياً واسعاً يتوسطه منزل الملك عبدالعزيز - رحمه الله - وحوله بيوت متناثرة مبنية من الطين، وسقوفه من خشب الأثل وسعف النخيل، كما هو منزل المؤسس، وسكانها بالكاد تجد عدداً قليلاً منهم يحسنون القراءة والكتابة، ومدرستها الوحيدة عبارة عن حافظ للقرآن الكريم يلتف حوله نفر يسير يجاهد في تحفيظهم جزء "عم" وبعض الواجبات الدينية..
أصبحت الرياض مدناً داخل مدينة، وشملها كما غيرها من مدن المملكة عزيمة التحديث، والتطوير، وارتقت بها خطط التنمية التي تستهدف الإنسان أولاً إلى أن تكون مدينة تضم الجامعات، وأرقى المستشفيات، وأحدث البنى التحتية التي وظفت من أجل وعي الإنسان، ومعرفة الإنسان، واختصار الزمن، وإخضاع الموارد الاقتصادية للتطور، والتحديث، والتماهي مع العالم المتحضر، وصناعة الإنسان، وصياغة عقله، وتوجهاته، وطموحاته، وفعل التنوير في نسيج المجتمع، لا لإقامة جهاز مخابراتي يبطش، ويذل، ويقمع، وينتج المؤامرات، وخطط الاغتيالات والتصفيات، وتحويل الكائن البشري إلى حالة خوف ورعب ولهاث وراء الخبز، وتوفير الدواء، وبالتالي إعاقة النمو والتنمية، والتفاعل البشري مع أنماط الحياة الحديثة، وبناء المعرفة الاقتصادية، والتربوية، والتعليمية، والثقافية، والتكامل مع مستجدات العصر وتحولاته.
وعندما قال الملك عبدالعزيز - رحمه الله - للصحافي نذير فنصه "إن لديَّ رجاء واحداً يجب أن يصل إلى الزعيم حسني الزعيم. وهو الحفاظ على حياة وكرامة شكري القوتلي، وأن لا يكون هناك سفك للدماء وعنف" عندما أبدى هذا التوجيه بصيغة الرجاء فإن هذا هو سلوك المملكة، وفكر قيادتها، وثقافة إنسانها، وهو قيمة ثابتة كرّسها المؤسس - رحمه الله - بأخلاق الفرسان، وشيم الصحراء، وتعاليم العقيدة.. وتوارثها الأبناء من بعده رافضين كل سلوك تعاملي خادع، متآمر، مبطن، ملتو، ملتبس.
ومنذ توجيه عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وقبله، وبعده، وحتى يومنا هذا، وبعد يومنا هذا، وإلى أن يسقط الشر والمملكة لديها ثوابت في العلاقات والتعاملات؛ فلم يحدث أن دعمت إرهاباً، أو احتضنت منظمات مشبوهة، أو رعت مجموعات تستأجر لزعزعة أمن واستقرار الأنظمة والشعوب، أو حرّضت على التصفيات، والاغتيالات، وقاموسها السياسي والتعاملي هو الحوار، والفهم، واستنهاض العقل، والوصول إلى حلول لكل القضايا والاختلافات عبر الأخوة والتفاهم وتكريس الحب والتقارب.
المملكة تصنع التنمية، وتمد اليد سخية معطاء لكل الشعوب العربية من أجل تكريس فعل التنمية البشرية، وتجاوز معوقات الجهل، والفقر، والمرض، والانتصار على كل الإحباطات والهزائم التي أثخنت المواطن العربي بفعل حكم المخابرات في بعض الدول العربية، وبطشها.
أما الإرهاب، والقتل، والدم، والقمع، ومصادرة وعي البشر، وتوظيف كل القدرات من أجل زرع الخوف، والرعب، والموت؛ فهي إنتاج يجيده من كانت هذه المسلكيات بضاعته وفهمه..