بحث



الخميس 1 ذي القعدة 1429هـ - 30 أكتوبر2008م - العدد 14738

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


نبض الكلمة
الرجل الشجاع يريد الرحيل بهدوء.

شريفة الشملان
    "إذا نادوا: يا بحر!

أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحّاراً؟"

حنا مينه.

؟ عندما قرأت وصية أستاذنا الكاتب (حنا مينه) الجزل .. وصيته أن لايسير بجنازته غير أربعة من موظفي إدارة الجنائز. يدفنونه ثم ينفضون أيديهم ويعودون لمنازلهم.

عندما قرأت وصية صديق البحر، حنا مينه. برزت أمامي رائعته (نهاية رجل شجاع) و (مصابيحه الزرق) و(الولاعة)، شممت رائحة البحر وقصة حياته المبعثرة بين الروايات، ورائحة أمه وكبة البرغل ..من تلك الروائح نشم رائحة خاصة للفقر والعوز والكفاح، وسيرته التي يرسلها ليخبرنا عن جهاد أمه التي ذكرها في الوصية ودائما نفس الاسم في رواياته، كأنه يكتب ليخلد أمه هذه السيدة المجاهدة من أجل لقمة العيش، ميرنا زكور. التي يجاهد صغيرها من أجل لقمة العيش، حمالا في الميناء، تغشاه رائحة الزفر والرطوبة وعفونة التعامل مع السماسرة والجهد والعرق. تلك العذابات التي سجلها لنا قلمة عبر 36رواية ومجاميع من القصص القصيرة، ومقالات هنا وهناك، وكان لجريدة الرياض حظ بتلك الكتابات التي خطّت بعضاً من مسيرته الأدبية.

عبر رواياته العديدة التي منحتنا رائحة البحر المخلوطة بعرق الحمالين وكفاحهم بينما سماسرة التعب يستغلونهم شر استغلال. صاغها بلغة جميلة تتفجر منها المتاعب حتى نكاد نراها مجسمة امامنا.

(مفيد الوحش اللي قطع ذيل الجحش). تلك العباراة رسخت في الذاكرة. من روايته (نهاية رجل شجاع)، والتي أبدع المخرج في جعلها مسلسلا تلفزيونيا لم تفقد روحها. والولاعة و.. و.. روايات أثرت سجل الرواية العربية..

الرجل الشجاع الذي بدأ الكتابة بعد بلوغه الأربعين عاما ونقل لنا صورا جميلة وبلغة جميلة بسيطة وواضحة. الذي سجل قصة التهجير منفياً من لواء الإسكندرون السوري الذي استولت عليه تركيا عام 1939حين كان عمر حنا مينه 15سنة.

خلال الأربعين عاما التي عاشها قبل الكتابة عرك ومارس الكثير من المهن حمال، بحار، أجير عند مصلح سيارات، مربي اطفال، عامل في صيدلية، صحفي، مؤلف مسلسلات باللهجة العامية للإذاعة. من أجل كل ذاك كان حنا مينه معجوناً بالإنسان الفقير والإنسان المكافح، وعارفاً بمفردات اللغة المحكية لأصحاب هذه المهن.

هل حسناً فعل هذا الفذ حين كتب وصيته ؟ إنه يريد ان يرحل بهدوء كهدوء البحر عند مرور ريح شمالية خفيفة، ثم ينام كما ينام طفل في حضن أمه.

حدد حتى من سيمشي في جنازته، ومن سيمتلك ما سيتركه من بقايا أشياء عرفته وعرفها، وبيت عزفت حيطانه ألحان رواياته، ونامت عصافير أشجاره على طقطقات قلمه الخفيفة على الورق ليرسم لنا صوراً وحكايات، ويوشيها. نتقبلها ونزين بها أرفف مكتباتنا المنزلية.

أليس من حقه علينا كمحبين ومعجبين، أليس من حقه على محبي اللغة العربية وآدابها وفن القصة القصيرة والرواية، أن يفخروا به ويكرّموه حيا، وميتا، إنه علامة وراية من رايات أدبنا العربي الحديث، حيث اللغة العربية النقية.

إنه حنا مينه الرجل الشجاع الذي لا يريد وداعا.. ونحن لانريد له وداعا.. نريده علماَ يرفرف في سماء أدبنا المعاصر..


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية