لم أكن أريد أن أبدأ عنواني بهذه الكلمة التي لا أحبها، ولكن واقع الحال يفرض نفسه، فاللعنة كلمة تستعمل باللغات الآخرى بمعنيين، الأول مثل استعمالنا لها (الطرد من رحمة الله)، والثاني بمعنى العقوبة او الحوبة وهي مفردة نستعملها كثيرا في حياتنا اليومية، وذكرت بالقرآن الكريم.
والحوبة العراقية وما يمكن ان يطلق (اللعنة العراقية) مست أغلب الإمبراطوريات العالمية الكبرى، وعلى صخرتها تحطمت. وعندما قلنا في بداية الغزو الأنكلو - أمريكي للعراق إنها بداية النهاية لأمريكا ربما شكك البعض حيث الزمن الحالي وتطوراته الكبرى وخاصة الحرب الإعلامية تفوق كثيرا ما كانت عليه الإمبراطوريات السابقة وحيث يبدو الكذب لديها وكانه صدق، كما تتبارى وكالات الأنباء بنقل الأخبار كما هي فيلبس الباطل لباس الحق. لكن الباطل كالثلج يذوب عند شمس الحقيقة.
بوش الابن، وقف مفتخرا على سلم بارجة حربية. راح يعلن النصر ويقول: "الآن أزلنا عقدة فيتنام".. حيث حمل (رامسفيلد) معول عزرائيل وراح يحصد الأرواح. لكن عقدة فيتنام ولدت لعنة العراق ان قلنا أن عدد القتلى من جنود امريكين لا يتناسب أبدا مع حجمها الكبير، وهو في البداية يقارب المائتين والخمسين ألف جندي، فأربعة آلاف قتيل وحتى عشرة لا تساوي من يموتون في حوادث سير عادية.ولكن الموتى الفعليون بلا أرقام ولا جنائز. كما أعداد المرتزقة الذين اتوا يحلمون بالعز الأمريكي وبالجنسية التي تفتح لهم أبواب الجنة ذهبت بهم إلى النار عبر أكياس سود رميت في صحراء العراق بلا اسم ولا عنوان.
ابواب الجحيم العراقي الذي تكسرت على صخرته امبرطورية فارس، والتي فاقت جرائم بوش جرائم هولاكو. تكسرت وذابت هي الأخرى ولم تذب هوية العراق العربية، فالتتريك كان شعرة معاوية التي قصمت ظهر الجمل العثماني.
بريطانيا التي أتت تحمل ثأرا لعراق اخذ ثأره منها عبر تحطم امبراطوريتها فيه، تتذكر ثورة العشرين وتتذكر اكثر شمسها التي لملمت أشعتها منه ومضت. لذا عادت محملة بالأمل والتشفي، ولكنها سرعان ما هربت تاركة البصرة وما حولها كما تركت فلسطين من قبل بيد غزاة أخر. ولله در العراق كم سيتحمل.
الصواعق تأتي من حيث لا تحتسب الأنواء الجوية السياسية والحربية توقيتها أو أنها تحسبه بالخطأ. هكذا يكون الآن وقد قدر لنا أن نرى بعضا مما سمعنا عنه عبر التأريخ. من أزمات مالية واقتصادية وفقر وعواصف ربانية. أنها لعنة العراق التي تخطت كل الحوبات في العالم.
عندما خرج الرئيس بوش ليعلنها حربا صليبية كان يعي بالضبط ما يقول: من ليس معنا فهو ضدنا. ومن رهبة تشبه رهاب أيام البحث عن الشيوعيين طاوعته الدول فسارت معه. حيث تدمير أفغانستان والعراق، والقتل هنا وهناك بحجة الإرهاب، فأرهب العالم كله.
هذه الويلات تتكاثر على أمريكا وهي تستجدي الآن الهند كما تستجدي أروبا باحثة عن حبل لإنقاذ الغريق، ففي الهند تذهب رايس لتبني علاقات نووية، يرفضها الشعب الهندي ويسير مظاهرات ضدها، وفي أوربا يجتمعون في( باريس) ليعطوا لاقتصادها المنهار قبلة الحياة، ولكنها قبلة صناعية لا يلبث تأثيرها أن يزول.
يفيق الشارع الأمريكي على اللعبة الكبرى والخديعة الكبرى، يفيق على الكذب والدجل والنفاق وفساد حكامه، والذي ظهر أمامه العالم الثالث أنظف وأشرف.. لكنها إفاقة متأخرة نوعا ما، وهو مغمور في مآسيه المالية التي تفوقت على ذهوله. وذهول أحباب امريكا من عدة جهات.
قبل أن أصل إلى نهاية مقالي هذا، هل تحاول أمريكا ان تكفر عن الذنب قبل العقوبة. تعيد أطفال العراق لمنازلهم، ولمدارسهم، وتعيد لهم القلم الذي سلب من يدهم والدفتر والكتاب اللذين مزقهما الجندي الأمريكي، قد لا أحد يتمكن من رد روح شيوخ قتلوا وهم في محراب الله ولكن على الأقل يعاد بناء المساجد، وتعود الحميمية العراقية لما كانت عليه، وقبل هذا وذاك.. تنظيف العراق ممن دخله آمنا مطمئنا مع جيش الاحتلال.
إنها ساعة الحقيقة، دقاتها ترن بقوة فلا عاصم إلا الله. فلا جبل أمريكيا يسند أحداً حيث انهار هو نفسه..
لعنة العراق، وحوبة العراق وحوبة أطفال العراق.. بل إنها لعنة كل الدماء التي سفكتها أمريكا في العالم.