المعنى في بطن الأرقام.. !
د. مطلق سعود المطيري
رغم معرفتي أن الأرقام والإحصائيات أدوات هامة في تأسيس الدراسات العلمية، وفي تشكيل صورة يوثق بها للمواقف والحالات، فهي مع ذلك في بعض الأحيان تحبطني وتملؤني بالغيظ مهما كانت تقدم نفسها في سياق إيجابي يستهدف إثارة مشاعر مغايرة لهذا الإحباط.
الزيادة والارتفاع ليسا دائما من مؤشرات الإيجاب، وكذلك النقص والانخفاض أيضا لا يكونان بالضرورة ضمن مؤشرات السلب، فزيادة عدد الخريجين من الجامعات يمكن أن تكون مؤشرا إيجابيا، بينما زيادة أعداد المتسربين من التعليم مؤشر سلبي، وارتفاع معدلات الدخل مؤشر إيجابي، وارتفاع نسبة الأمية مؤشر سالب، وهذه كلها بديهيات لا يختلف عليها أحد.
المشكلة أننا تعودنا النظر إلى الزيادة على أنها مؤشر جيد في أي شيء كانت، ولهذا تطالعنا أرقام "المنجزات" التنموية في تصاعد سريع دائما، وما أعنيه ربما بالتحديد ما نقرأه من أخبار متواترة وتصريحات لا تنقطع عن الإعانات الاجتماعية وزيادة الأموال المخصصة لها وزيادة أعداد المنتفعين بها، من تلك الأخبار ما نشر مؤخرا : " 18186ألف حالة جديدة لهذا الشهر من المستحقين المتعففين" .. أو " 22ألفاً انضموا لخدمات الضمان الاجتماعي خلال شهر" أو وقد بلغت "الحالات المستفيدة السنة الماضية من 1428/1/1إلى 1428/12/30، 258.615حالة" أو "صرف 910ملايين ريال معاشات الضمان لشهر شوال الأربعاء المقبل" أو وقال : "إن الضمان الاجتماعي صرف خلال الأشهر السبعة الماضية 7مليارات و 800مليون" أو "ويقدر الصرف الشهري بما يقارب ال 500مليون ريال للمستفيدين من الضمان البالغ عددهم 1.200.000شخص من 367ألف أسرة."
هذه كلها عناوين مأخوذة عن صحيفة واحدة ليومين متتاليين ولابد أنها لفتت إليها أنظار الناس جميعا، مثلما استوقفتني معها طويلا، فالمبالغ المخصصة للإعانات الاجتماعية هائلة إلى حد يشير إلى حجم التكريس لرعاية هؤلاء، والأعداد التي تضاف كل شهر إلى المستفيدين تشير إلى حجم الجهد المبذول ربما ليلا ونهارا في سبيل توصيل هذه الرعاية إلى أكبر عدد، وأعجبني بشدة استخدام لفظ حضاري جميل للإشارة إلى المحتاجين، كلمة "المتعففين" الذين لا يسألون الناس إلحافا..
هذا كله رائع وجميل، وانما على الوجه الآخر قد تلتصق عدة تساؤلات في رأس من يرغب في إعادة تشغيل هذه الإحصاءات في سياق آخر: أولها، هل من المعقول أن تتزايد أعداد المنتفعين بمعدل 22ألف متعفف في الشهر؟ وهو ما يساوي 264ألفاً في السنة، ومليون كل أقل من أربع سنوات، وبعد 30سنة قد يأتي دوري لأن العدد سيشمل الناس جميعا شاءوا أم أبوا، وكيف أمكن فقط مجرد تدوين 22ألف اسم في شهر واحد ربما في دفتر بحجم دليل الهاتف أو أكبر، والأهم أن هؤلاء ال 22ألفاً قد تم فحصهم جيدا في غضون الشهر وعرف أنهم من المتعففين، وبأي جهاز أو بأي وسيلة لا ندري وربما بجهاز كجهاز الكشف عن الكذب!
قد يتجاوز عن ضخامة مبلغ 7مليارات و 800مليون صرفت في سبعة شهور رغم أن المبلغ يقارب ميزانية دولة فقيرة، ولكنه حتما سيتوقف عند العدد الذي بلغه المستفيدون من الضمان الاجتماعي، مليون و 200ألف ! ما هي النسبة التي يشكلها هذا العدد من إجمالي عدد السكان؟ والمشكلة أنه عدد يتحرك على زيادة مستمرة ، فيكون السؤال الأخير: هل هذا الارتفاع مؤشر إلى التقدم أم إلى التخلف؟ لأن زيادة الفقراء كزيادة المرضى وزيادة الأميين وزيادة الوفيات ..الخ، كلها علامات للتخلف.
أنتظر أن تتحول التصريحات من مجرد رصد لأعداد متزايدة من الناس ومبالغ تتضخم من المال إلى تصريحات عن "تحسين الخدمات" وتأهيل غير العاملين وإنشاء المشروعات، وإيجاد وسائل وآليات لتحسين الدخل، وكلام جميل عن تناقص أعداد المحتاجين كأروع إنجاز.