الرجل السخي.. ونصير الفقراء..
مبادرات كثيرة يقوم بطرحها وتبنيها خادم الحرمين الشريفين، ومع أن المملكة بكل ثروتها النفطية والمعدنية، وغيرها، لا تساوي موجوداتها شركة أو شركتين أمريكيتين، ومع ذلك يأتي السخاء من المملكة ليس لأنها الأغنى وإنما الأشد ارتباطاً بفقراء وجياع العالم، وهذا الإحساس ينطلق من قلب كبير، جاء ليمنح برنامج الغذاء العالمي في الأمم المتحدة بثلاثمائة مليون دولار، والآن تأتي مبادرة الملك عبدالله بإنشاء صندوق إقراض للفقراء متبرعاً بخمسمائة مليون دولار لرفع الأضرار عن الدول والشعوب التي ساهم ارتفاع أسعار النفط بإفقارها، أو عجزها عن القيام بواجباتها التنموية لنفس الغاية والغرض..
هناك البنك الدولي، وصندوق أوبك ودور الدول الغنية تجاه الأزمة الراهنة ليست مطالبة فقط لبحث الأسباب وانعكاساتها السلبية على الدول الفقيرة، وإنما بتبني موقف يراعي الواقع وتداعياته على الأمن الوطني والعالمي، إذا ما أدركنا تصاعد الفجوة بين الفقراء والأغنياء لا تحددها الدعوات إلى تحسين الأوضاع وتغيير السياسات وإنما وضع هيكل صحيح لتعاون دولي حقيقي..
أما أن يطالب السيد براون رئيس وزراء بريطانيا بكلمته الصناديق السيادية في استثمار فوائضها بخلق أو اكتشاف طاقة بديلة، فالأمر مقبول إذا كانت الدول المتقدمة سوف تقوم بنفس المساهمة والدعم، وبريطانيا هي من تملك أكبر شركات العالم للنفط بعد أمريكا، وإذا ما تحققت النتائج باعتماد مشروع عالمي تساهم فيه كل الدول بإمكاناتها، وبعيداً عن الانسحاب من واجبات تلزم الجميع بالتعاون، وتفرض على دول النفط المنتجة فقط، فمثل هذا الرأي لن يكون واقعياً، ولعل هروب الدول المستهلكة الكبرى من دور فعال، هو الذي صعد بالتضخم وغلاء الأسعار ومضاعفة الأعباء على الدول الفقيرة، ثم يأتي من يحاول وضع التهمة على دول إنتاج النفط وحدها..
الخيار الوحيد للخروج من هذا المأزق، ليس توصيف المشكلة وإعطاء النصائح حولها، وتوصيف الموقف ببلاغة الكلمة وعمق الرأي، وإنما الالتزام الأدبي والمصلحي بين الدول المنتجة، والدول المستهلكة، مع مراعاة أزمة الفقراء وحالاتهم..
أن يتقدم الملك عبدالله بن عبدالعزيز الصفوف بتلبية احتياجات السوق من النفط ومساعدة الدول الفقيرة لمواجهة أسعار الطاقة، فهذا نمط من التعاون المفتوح والإنساني مع أن الشعور العام السائد عند الدول الغنية أقل اهتماماً بهذا الشأن، لكن إذا كانت الواقعية تستدعي النظر إلى شراكة عامة بين الدول، فليس منتجو الطاقة وحدهم من يتحمل تبعات ما تسببت به دول أخرى وتوضع كبش فداء لتلويث الأرض والتسبب في نكسات اقتصادية لدرجة من نادى بإنشاء محكمة تستدعي دول الأوبك للمحاسبة وإصدار الأحكام عليها..
إذا كان المؤتمر يأتي لقراءة الواقع والحقيقة بدون اتهامات أو تصعيد أو فرض التزامات على الدول المنتجة، فالنتيجة لن تكون خواتمها إيجابية، ومع ذلك فالأمر واضح ويحتاج العالم إلى وقفة مع مشكلة لا تقبل المعادلات المعقدة إذا كان الجميع يريد الخروج من المأزق بحلول صحيحة ولا يبني مواقف أحادية الجانب..