قبل حوالي ثلاث سنوات تقريباً ظهرت (عدة أخبار، وتصريحات) تتحدث عن مشروع اقامة (ورشة امتحانات) للعمالة الوافدة هدفها، وغايتها تهيئة عمالة جيدة للسوق المحلي، ومنع أي عمالة رديئة من التسرب لسوق العمل المفتوح في بلادنا على مصراعيه فيكون العامل المناسب في الموقع المناسب، ويأمن المواطن على ماله، وممتلكاته، من تجارب، واجتهادات، واخطاء العمالة الرديئة التي (افترت) في عباد الله طوال سنوات، وسنوات، ولم تجد من يحاسبها، ولا نقول من يعاقبها، وضاعت ملايين الريالات من وراء ممارسة العمالة الرديئة تجاربها، واجتهاداتها لدرجة أصبح فيها (الطباخ مهندساً، وراعي الغنم مقاولاً، والقهوجي فني صيانة، وجرسون المطعم ميكانيكياً، وبواب الحديقة نجاراً في النهار، ومدرساً خصوصياً في الليل..؟
وتوالت ردود الفعل على هذا القرار، أو هذه الفكرة، أو هذا المشروع من (كل حدب، وصوب) كما يقولون، وكلها ترحّب بالقرار، وأن تتمكن المؤسسة العامة للتعليم الفني، والتدريب المهني من دعمه، ومساندته، واخراجه للنور باعتبارها الجهة الفنية المتخصصة القادرة على اجراء هذه الاختبارات، وباعتبارها تملك خبرة طويلة في مجال التعليم الفني، والتدريب المهني تجاوزت (سن الرجولة).. لتمضي الايام، والشهور، والسنوات - تجر بعضها بعضاً - دون أن تفتح (ورشة الاختبارات) أبوابها، ودون أن (نقرأ، أو نسمع) أي تصريح عن الاسباب التي (منعت) هذا المشروع الرائد عن (الظهور) حتى الآن نظراً لما لهذا المشروع من (فوائد) لا حصر لها. فهذه العمالة تنتشر في كل مكان، ومعظمها دون (المستوى) المأمول، بل انها (تصول، وتجول) على حساب السعوديين فهي (تتدرب) على حساب الفرص - الكثيرة - التي يمنحها السعوديون بحسن نية لهذه العمالة (سواء في مجال البناء، أو النجارة، أو الحدادة، أو السباكة، أو الصيانة، أو الكهرباء، أو الميكانيكا، أو غيرها من المهن، والاعمال الاخرى التي تتطلب كفاءة في العمل، واتقاناً في الاداء، وخبرة في التنفيذ)..
ومن تجربة لتجربة، ومن عمل لعمل، ومن فرصة لفرصة تثبت معظم الأيدي العاملة - وليس كلها بطبيعة الحال - انها تحاول بكل جهدها، وطاقتها أن تتعلم، وتتدرب من هذه الفرص الكثيرة المعطاة لها، والمتاحة أمامها، وجزء من هذه العمالة نراه كيف يسعى لأن يتعلم من اخطائه وعثراته، ويتمسك بالفرصة التي حصل عليها، ويستمر في ذلك سنوات إلى أن يجيدها، ويصبح فيها مُعلماً يشار اليه بالبنان، أو لا يوفق، ويعمل كيفما اتفق، وفي كل الاحوال يدفع السعوديون الثمن..؟
"الاستغلال" مع "الفهلوة"
مشكلة (الايدي العاملة) عندنا مشكلتان: مشكلة (استغلال) ومشكلة (فهلوة).. مشكلة (الاستغلال) تبدو واضحة حين تحضر عامل بناء صغيراً، أو كهربائياً، أو سباكاً، أو نجاراً فيطلب منك أجراً يفوق ما يستحقه فعلاً بينما العمل المطلوب منه يعتبر عملاً بسيطاً، وعادياً بقليل من الجهد تستطيع أن تقوم به..
ومشكلة (الفهلوة) حين يشرع هذا العامل في المهمة التي أحضرته من أجلها فتكتشف - فهلوته - وقد - يخرّب - ما جئت به لاصلاحه؛ ويوهمك ان كل شيء (تمام التمام) فإذا خرج اكتشفت سوء، ومساوئ ما قام به من اصلاح..؟
وأذهب لورشة ميكانيكا، أو صيانة، أو خلاف ذلك من الورش، وستكتشف (الاستغلال، والفهلوة) من الوهلة الاولى، وأنت مضطر للتعامل مع هذين الجانبين رغم انفك: جانب الاستغلال، وجانب الفهلوة، وانت - بلاشك - ستقبل جانباً على حساب جانب: جانب الاستغلال لصالح اتقان العمل، أو جانب الفهلوة لصالح الأجر العادي، أما أن تفرض عليك الظروف أن تقبل الجانبين فهذا ما يجعلك تتساءل سراً، وجهراً كيف دخلت هذه العمالة - ديارك - وهي غير مؤهلة للعمل الفني، والعمل المهني، وكيف تفرض عليك أجوراً مرتفعة دون أن تجني من عملها، والاستعانة بها أي فائدة، بل على العكس، وقد تصبح أسيراً لديها تتردد عليها، وتتردد عليك (إذا استمر مسلسل الاعطال في بيتك مرة، وفي سيارتك مرة) إلى أن توفق في عامل ماهر، وفني شاطر..!
هذا جانب، والجانب - وهو مهم أيضاً - حاول وأنت تتردد على ورشة ميكانيكا، أو صيانة، أو محل حدادة، أو نجارة، أو سباكة، أو كهرباء، حاول أن - تفتش - في الوجوه عن (وجه سعودي) يجلس في الورشة، أو المحل، أو الدكان، وحتماً لن تجد، وهذا سيزيد الأمور تعقيداً، وسوءاً فحتى الحضور، مجرد الحضور لا أثر له في هذه الورش، والمحلات، والدكاكين فهل يصح أن نطالب بأيد سعودية تعمل في هذه المجالات؟
عيون الكفيل هي السبب
ينفي عدد من العمال (فنيين، ومهنيين، ونصف فنيين، ونصف مهنيين) عن أنفسهم (تهمة الجشع، والطمع) واستغلال السعوديين برفع الأجور عليهم - وهم في ضيافتهم - لكنهم يعترفون، ويؤكدون استغلال، وجشع، وطمع الكفيل فيهم، وفيما يحصلون عليه من دخل بدون (وجه حق)..!
ويشرح - بعضهم - كيف يستولي الكفيل على جزء من أموالهم فإذا رفضوا (لوّح) بسلاح الاستغناء عنهم، وإلغاء التأشيرة وإعادتهم لبلادهم، وفي حالة - صعوبة ذلك عليه - لجأ إلى تعقيدهم في تجديد الإقامة، وفرض مضاعفة الرسوم، وغيرها من التعقيدات المعروفة.
يقول أحد المواطنين (المتضررين) من استغلال الأيدي العاملة: إذا كان هناك - كفيل - لا يخاف الله، ويفرض شروطاً، واتاوات على العمال الذين تحت كفالته، وإذا كان هؤلاء العمال يحرصون على إرضاء كفيلهم ليسهل لهم أمور حياتهم، وحركتهم، وشغلهم، وإذا كانوا - يقصد هؤلاء العمال - ليسوا بتلك المهارة، وتلك الجودة في العمل، والأداء فعلينا أن نتوقع الأسوأ، وليس مجرد (رفع الأجور) في وجه السعوديين من أجل عيون الكفيل لأن رفع الأجور مع جودة العمل، وكفاءة العمال يمكن قبوله، أما رفع الأجور مع سوء العمل، ورداءة العمال فمعناه أن خسائر السعوديين ستزداد، وتستمر، وتتواصل، ومتاعبهم، ومعاناتهم مع هذه العمالة لن تكون لها نهاية.
السعوديون (كسالى، وطيبون)
يُقال - وليس كل ما يُقال صحيحاً - إن السعوديين (كسالى، وطيبون).. ومن هنا تنتهز الأيدي العاملة هذه الفرصة التاريخية فتغالي في أجورها لأنها تدرك أن هؤلاء السعوديين لن يرفضوا هذه (الأجور العالية) ولو كانت في (إصلاح باب، أو تركيب دولاب، أو تسليك حوض، أو نقل أثاث) لأن السعوديين (كسالى) فما بالك إذا تعلق الأمر بإصلاح جهاز تكييف، أو ثلاجة، أو غسالة، أو جهاز تلفزيون، أو إصلاح سيارة، أو بناء جدار، أو تمديدات كهربائية، أو غيرها من الأعمال المهنية، أو الفنية.
والقصص في ارتفاع الأجور - على السعوديين بالذات - كثيرة، ولكن أحداً من العمال الفنيين، والمهنيين لا يعترف بها صراحة، وإن كان يعترف بأن (الكفيل) هو الذي يلاحقه، ويطارده، ويستغله، ويشاركه في كل قرش يحصل عليه (بينما هو نائم في بيته).. فإذا ما رفض هذا الأسلوب فتجديد الإقامة، وتجديد الرخصة، وتجديد الإيجار، وتجديد مكان السكن عرضة لهوى الكفيل، ومزاجه، وأسلوب تعامله.
فكيف يمكن - التوفيق - بين (طيبة) من يلجأ لهذه العمالة من السعوديين، وبين استغلال فئة من السعوديين لهذه العمالة ومن هو الظالم، ومن هو المظلوم في الشأن، وهل ما يقوله السعوديون عن ارتفاع أجور العمالة معهم صحيح، أم فيه مبالغة، وهل ما يقوله العمال عن كفلائهم بأنهم يستغلونهم، ويريدون مشاركتهم في كل قرش صحيح، أم فيه مبالغة؟
الآن نحن على وشك تنصيب (شيوخ المهن) من قبل إدارة البلديات وأسماء شيوخ المهنة يتوالى نشرها، واعتمادها، وإقرارها، وشيخ المهنة، أو الطائفة قد يصحح - كل هذه المخالفات - ويحفظ للسعوديين، وغيرهم حقوقهم، ويحفظ للأيدي العاملة حقوقها، ويحمي الكفلاء من الاتهامات التي تنهال على رؤوسهم بأنهم يستغلون العمالة التي يستقدمونها استغلالاً لا تقبله الجهات المختصة، بل وتعاقب عليه إذا تأكد لها ذلك، وقد سمعت كثيراً من وجوه هذا الاستغلال من بعض الأيدي العاملة، وكتبت عن بعضها، وأعتقد - جازماً - أن استغلال الأيدي العاملة لنا عند استدعائها سببه الرئيسي هذا الاستغلال فترد لنا العمالة الوافدة (الصاع صاعين)..!
تبنّت (جمعية حقوق الإنسان) حلماً طالما راود كثيراً من المواطنين، والمقيمين، والوافدين وهو أن تكون الدولة، أو المؤسسة الحكومية (الكفيل) للعمالة الوافدة.. جمعية حقوق الإنسان - في خطوة بارزة، ومنعطف هام - طالبت، أو اقترحت أن تكون - الدولة - هي الكفيل لهذه العمالة، وأن تقوم جهة من طرفها بتنظيم - سوق - العمل. وجلب العمالة من الخارج تحت إدارتها، وإشرافها، وتشغيلها في الداخل فلا يتعرض المحتاج لهذه العمالة من أي نوع للمتاعب، والتأشيرات، والانتظار، والتجربة والخسائر المتتالية، والمشاكل المتواصلة، والمتاعب المستمرة.
كثيرون طرحوا هذه الفكرة: فكرة أن تتولى الدولة اختيار العمالة المناسبة، وترتبط بها، وتكون مسؤولة عن تنظيم سوق العمل، وأن تكون هي الكفيل لهذه العمالة.
كذلك جاء (الكلام الصحفي) في هذا الموضوع، وهذه القضية في وقته، ونطلب من جمعية حقوق الإنسان أن تعطينا المزيد، وأن تلقي الضوء أكثر على هذه القضية، وشكراً لمبادرتها، واقتراحها، وسعيها للتصحيح.