مخرجات التعليم.. واحتياجات سوق العمل
في ظل ذورة النشاط الاقتصادي المكتسح كافة القطاعات على مستوى الساحة بمختلف تحولاته ومؤشراته ومعدلاته المتلاحقة المتغيرة والتي أوجدت بدورها حلقة باتت مفقودة تحت مجمل تأثير العوامل السابقة وتتبعاتها المنعكسة على مخرجات التعليم لتخصصات محددة واحتياجات سوق العمل!!
فإذا ما سلَّمنا بكون الموارد البشرية «كرأس مال بشري» ثروة تُعد من أهم الإمكانيات التي تعدد بها أي دولة، وأساساً لأي اقتصاد قوي في وجود تفعيل استثمارها وتوظيفها في سوق العمل بحيوية وفق معطيات التكنولوجيا والانفجار العلمي خارج نطاق الكفاية بتقديم العلم بالشهادة الجامعية وما يعادلها، من جانب آخر إهدار مخرجات التعليم من «القوى العاملة» المدربة والمؤهلة بصورة عشوائية والذي يناط ديناميكية توظيفها بشكل إيجابي للتخطيط التربوي في وضع الرؤى البعيدة المستحدثة والقادرة على مواجهة السوق العصري وسد احتياجاته الفعلية متجاوزة ثغرات التحديات والعقبات التي تعترضها والمستلزمة حجماً أكبر من المرونة لاحتواء تلك المواقف التي برزت على الساحة من تحفظ سوق العمل لكوادر الخريجين من تخصصات نعلمها جميعنا علم اليقين نتيجة ما يسمى ب «الاكتفاء الذاتي» إلى ما يصل إلى حد التشبع.
وأمام ما يخرجه التعليم ويوفره للمجتمع من تلك القوى العاملة المتناسبة مع الثورة العلمية وتقنياتها والمتغيرات الاقتصادية لدعم الاقتصاد المحلي كونه محور العملية التنموية والتي هي جزء لا يتجزأ من عملية التخطيط التربوي الشاملة كافة جوانبه الاقتصادية والاجتماعية ككل وزيادة الإنتاج لدفع الحراك الاجتماعي بتفعيل عناصره مادية كانت أم بشرية فلابد من تناول المشكلة بكثير من المصداقية والشفافية وإعادة تخطيط وطرح حلول من شأنها كسر حاجز الجمود الحائل بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل وفق متطلبات السوق أولاً وأخيراً فهو محور المشكلة وليس التعليم وهذا إن دل على شيء إنما يدل على ضعف الارتباط بين التخطيط للقوى العاملة وسوق العمل في الفترة الأخيرة، وهذا يقتضي إعادة تخطيط واقعي يُهيِّئ لمُخرَجات التعليم المُدرَّبة كافة السُبل لأعمالها في السوق وحفظ تواجدها على الساحة بما يتناسب مع احتياجات السوق في الحد من استفحال الأزمة لتشمل تخصصات أخرى مما تُوسعها كفجوة تؤدي لتراكمات تخمة البطالة. فما الذي يمنع أن يحقق التوازن من قبل القائمين على الأمر بين القوى العاملة واحتياجات التنمية باتخاذ إجراءات تفعيلية بعيدة عن التوصيات والاقتراحات في وضع نظم وآليات تقدم للمتعلم بصورة مبكرة قبل التحاقه بالتخصص الذي يرغبه وفي باب التوجيه الأكاديمي العملي إحصائيات حديثة تعكس مدى جدوى ذلك التخصص وفعاليته في السوق بوضوح وشفافية لتنفيذ خطوة كهذه تداركاً لتكرار المشكلة على أصعدة أخرى من التخصصات لا يعني إفلاس التخصص بعزوف المتعلم عنه إذا ما رافق تلك الخطوة تطوير التخصص «الراكد» سوقياً بفتح مشاهد فيه نحو مؤهلات أخرى قائمة عليه بإضافة مؤهلات دورات الحاسب والإدارة واللغات والتسويق وغيرها مما تدعم المؤهل الأساسي الذي لا يُعد في حد ذاته الآن ضماناً كافياً داخل أروقة التخصص عوضاً عن استهلاك وقت المتعلم وجهده في الدراسات والدبلومات الخارجية الذي يلجأ لها في توفير فرصة عمل بغض النظر عن تخصصه وهذا ادعى أن توفير ذلك داخل التخصص ذاته بغرض وجوده بشكل يتلاءم مع كافة العروض ومن ثمَّ فهو امتداد رسمي ومعتمد نابع من فرعيات التخصص إضافة إلى إفرازه لخبرة متكاملة المؤهلات تضمن لها مكاناً داخل السوق وهذا يؤدي لتقليص حجم المشكلة.
القيمة الحقيقية المبنية على استراتيجية متعددة المراحل للعملية التعليمية المندرجة تحت التخطيط التربوي الشامل هي ليست قيمة قصرية على إتاحة فرص التعليم أمام الجميع وإن كان مهماً ولكن الأهم أنها قيمة موضوعية تشمل حياة المتعلم بجانبيها العلمي والعملي بعين الاعتبار كمركز اهتمام وصدارة فما جدوى التعليم مع وقف التنفيذ في مرحلة ما بعد التعليم والاكتفاء بحمل شهادة لا يسترد معها المتعلم ثمرات ما قضاه من عمره سعياً للحصول عليها حتى تُبَروَز وتُعلَّق على حائط الإحباط لأن التخصص غير مطلوب أو مُكْتَفَى منه؟!
ولأن التعليم والاقتصاد وجهان لعملة واحدة تربطهم علاقة تداعمية تكافلية في تعزيز كل منهم سد احتياجات الآخر على أعلى مستوى ممكن مما يعني مقابلة ذلك بدفع مستوى الاقتصاد وبالتالي رفع مستوى المعيشة وتحسين دخل الأفراد وسد احتياجاتهم من خلال العملية التعليمية وبالتالي نهضة متكاملة، وحدوث خلل في أحدهما ينعكس سلباً على الآخر. وأمام تحديات السوق المتتالية وغزارة مخرجات التعليم الوفيرة فلابد من تعزيز لسُبل مدروسة لدعم التخصصات المطلوبة تخفيفاً من الضغوط والتكدس في تلك التخصصات الجامدة سوقياً كهمزة وصل بين المخرجات «التوقُّعيَّة» والاحتياجات «التعجيزية».