إذا غشى الليلُ الكون، تكوَّر على صحراء العرب الهائلة كأنه فوقها خيمة كبرى تغطي الصحراء من كل الانحاء والجهات.
وصحراء العرب - التي لم يكن فيها كهرباء - لها رهبة عظيمة في دجى الليل البهيم، خاصة في الليلة العذراء التي غاب قمرها، وتغورت نجومها، وتراكمت قطع الظلمات فوقها، ومن حولها، وفي كُلِّ جوانبها فهي ظُلُماتٌ بعضها فوق بعض.
وقد وصف الشعراء ليل الصحراء الرهيب، وخاصة في الشتاء حيث يطول على المريض والمُؤَرَّق والمهموم.
يقول الملك الضلِّيل امرؤ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سُدُولَهُ
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فُقلتُ له لمّا تمطَّى بصُلْبه
وأردف أعجازاً وناءَ بَكْلكَل
ألا أيُّها الليلُ الطويلُ ألاَ انجلي
بصُبْح وما الإصباحُ منكَ بأَمْثَل
فيالكَ من ليل كأنَّ نجومَهُ
بكُلِّ مُغَار الفَتْل شُدَّتْ بيذْبُل
كأنَّ الثَّريا عُلِّقَتْ في مَصَامها
بأَمراس كتّان إلى صُمِّ جَنْدَل
فهو يشبه الليل ببحر لا مُتَناه وأمواجه تفيض على الشاعر بالهموم فوق ما هو مهموم، كأنَّما الليلُ يصيبه بجَهْد البلاء.. وهذا الليل يتمطَّى كأنه جملٌ هائل قد ناخ عليه بكلكله «صدره» وناخ على الأرض كلها.. فلا يبرح ولا يتزحزح ولا يريم.
وبعد أن يُشَخِّص الليل يصرخ به: ألا أيَّها الليل الطويلُ ألا انجلي!.. ولكنها صرخة تضيع في الصحراء التي غشاها الليل، والليل أصم.. الليل أيضاً بلا قلب.. ويبدو أنه بلا قدمين فهو لا يسير.. حتى نجومه لا تتحرك من مواقعها ولو قليلاً فامرؤ القيس يراقبها ويراها وتومض ولكن بلا حركة.. كأنما رُبطت هذه النجوم بأشد الحبال إلى جبل يذبل الذي يمنعها من الحركة، ويمنع الليل من المسير.
إن الليل أطول ما يكون على مهموم في صحراء موحشة، وفي وحدة مُطبْقة، قلبُهُ قد فاضت عليه أنواع الهموم، وطردت النوم، والليل قد أطبق عليه بظلماته وطوله من كل الجهات.
٭٭٭
ويطول الليل أيضاً على العاشق المفارق المشتاق، وقد أطار الشوق النوم من عينيه، وجثم شبح الليل عليه، وغرق في بحره، يقول الشاعر الشعبي فهيد بن هبَّاس:
البارحه يا عبيد عييت أناما
قلب الخطا ذكرّ عليّ الهواجيسْ
يالايمي جعلك ببحر الظَّلاما
والاّ ربيط في يدين المجايس
غديتْ مثل اللي طواه الهياما
طي حالي مثل طي القراطيس
يوم الصَّبا هَبَّتْ بريح الخزامى
الشوق في قلبي تعدَّى المقاييس
قلت آه ياما يا صَبا نجد ياما
في القلب جدَّدت الجروح الدراميسْ
٭٭٭
وقال الراغب الأصفهاني في كتابه «محاضرات الأدباء 3/536»:
«وجد مكتوباً على حجر قبل الإسلام بألف عام في بعض غيران نجد:
خْدَنان لم يريا معاً في منزل
وكلاهما يجري به المقدار»
يصف اختلاف الليل والنهار، وأنهما لا يريان معاً أبداً، ثم قال: «وهما دائرة واحدة والدائرة لا يُعرف لها أول من آخر» في جواب أيهما أول الليلُ أم النهار؟ وأضاف: «وجعلت العرب الليل قبل النهار في التاريخ ولذلك أرَّخُوا بالليل دون النهار،، إشارة إلى التاريخ القمري.
٭٭٭
والعباس بن الأحنف طال ليله لأنه عاشق فقال:
والنجم في كبد السماء كأنه
أعمى تحيَّر ما لديه قائد
وكان بشار بن برد الأعمى يتعجب منه ويقول: لم يرض أن جعله أعمى حتى جعله بغير قائد!
٭٭٭
وقال إعرابي يصف الليل إذا خيَّمَ على صحراء العرب:
«خرجتُ في ليلة حَنْدس قد ألقت على الأرض أكارعَها فمَحَتْ صور الأبدان» والحندس هي الحالكة الظلام.
وقال خالد بن صفوان:
«خرجت في ليلة اشتدت ظلماؤها وأطبق سوادها ونطق غرابها قد توارت نجومها فلا أهتدي بنجم طالع ولا بعَلَم لامع..» والعَلَم الجبل.. وإذا لم ير الإنسان حتى الجبل الهائل فإن سواد الليل يكون قد محق معالم الصحراء ومحاها، إذا أخرج الإنسان يده لم يكد يراها.
٭٭٭
وقد تكون خيمةُ الليل فوق صحراء العرب لها سقفان أسودان، سقف الليل الداجي الظلام، وسقفٌ من سحاب أسود «دجن» قد طمس كل نجم في السماء، وكل جبل في الأرض:
وليل غَسَا ليلٌ منَ الدَّجْن فوقَهُ
فليس لنجم في غواشيه مَنْجَمُ
عَفَا عُمْقُهُ آي الُهَدى من سمائه
وأعلامَهُ من أرضه فهي طُسَّمُ
٭٭٭
المتنبي يصف الليل
والمتنبي أعظم شاعر عرفه العرب على الإطلاق، إن لم يكن أعظم شاعر في العالم، وله قصيدة يصف فيها الليل وطوله وشعوره نحوه ومعه وشعور الليل إزاء عزمه وفيها يقول:
أَعَزمي طال هذا الليل فانظُرْ
أمنكَ الصُّبْحُ يَفْرَقُ أن يَئُوبا؟ (1)
كأنَّ الفجَر حبٌّ مُسْتَزارٌ
يُرَاعي من دُجُنَّته الرقيبا (2)
كأنَّ نجوَمُه حُلْيٌ عليه
وقد حُذيتْ قوائمُهُ الجُبُوَبا (3)
كأنَّ الجوَّ قاسي ما أُقاسي
فصار سوداه فيه شُحُوبا
كأنَّ دُجَاهُ يجذبُها سُهَادي
فليس تغيبُ إلا أن يغيبا
أُقَلِّبُ فيه أَجفاني كأنِّي
أَعُدُّ به على الدهر الذنوبا..!
فهو قد عزم على أمر خطير إذا ذهب الليل، ولكن الليل لا يريد أن يذهب، فيسأل عَزْمَه: أعزمي طال هذا الليلُ فانظر، أمنْكَ الصبحُ يُفْرَقُ أن يثوبا؟!.. هل الصباح يخشى منك يا عزمي فهو يخاف أن يخرج؟!..
ثم يشب الفجر بحبيب يريد زيارة حبيبه ولكنَّهُ يرى رقيباً فلا يخرج! وهذا الليل كأن نجومه خواتم من حُلي لبسها فهي لا تختفي، «وقد حُذيتْ قوائمُهُ الجبوبا» يشخص الليل في يديه خواتم هي النجوم وفي رجليه حذاء هو الصحراء كلها من رمل ومُتن وسهل وجبل فأثقل عليه هذا الحذاء الضخم فهو لا يتحرك.. لا يفارق!!
٭٭٭
الفرزدق: ليلٌ عاصف
ويصف الفرزدق ليلاً عاصفاً يلفُّ سارين في أحشائه المظلمة والريح الباردة تجعلهم يعضون أطراف العُصي من الألم فهي تقرص أطرافهم كلدغ العقارب، وهم يخبطون الليل والريح تخطبهم كأنها تطلب منهم ثاراً فتجعلهم «يقصعِّرون» وقد خصرت أيديهم «تجمدت من برد الليل وريحه الشمالية، فمالوا على رحالهم وقربوا من بعض خوفاً وألماً حتِى إذا لاح لهم في بهيم الليل نارٌ من بعيد تمنوا أنها نار «غالب» جد الفرزدق لشدة كرمه.. البيت الأخير هو هدف الفرزدق ولكنه جعلنا نظفر بصورة فنية صحراوية، ليلية، نادرة المثيل:
وَرَكْب كأنَّ الريحَ تطلبُ عندهم (4)
لها ترة منَ حذْبها بالعصائب
سَرُوا يخبطون الليل وهي تَلٌفُّهُمْ
على شُعَب الأكوار من كُلِّ جانب
يَعُضُّون أطرافَ العصيِّ كأنَّها
تُخَرِّمُ بالأطراف شوكَ العقارب
إذا ما رأوا ناراً يقولون: ليتها
- وقد خَصرَتْ أيديهمُ - نارُ غالب!
الليلة الخرمسيِّة
وهي الليلة الحالكة الظلام ولفظة (خرْمس) فصيحة.. والليلة الخرمسية هي التي غاب فيها القمر وبدت بعض النجوم من بعد سحيق بحيث لا تشعل أي نور في فحمة الليل.. وفي هذه الليلة قد يحلو الطرب ورفع الصوت بالسامري يشق عنان الليل وُيَقصِّر طوله ويُنْسي ظلامه ويُسْلي العاشق والمهوم.
يقول الشاعر «إبراهيم بن عبدالله الحميضي» من أهل القصب:
سلامي عليكم يا هل السامريه
عدد ما يهل من السحابه مطرها
حلاة الطرب في الليلة الخرمسيِّه
إلى غاب عن عَفْر الكواكب قمرْها
حلاة المشي بين الغصون النديه
إلى منها قام يتفتَّح ثمرْها
تسلِّيك وتداوي الجروح الخفيِّه
وتجلِّي عن النفس الحزينه كَدَرْها
لقيت العيون العلّة الباطنيه
عيوني سهرها من سبايب نظرها
حزين من الفرقى وعيني شقيِّه
عسى الحزن ما يفقد عيوني بصرها
على الصاحب اللي فات غصب عليه
مثل ما تفوت الطابعه في بحرها
الطابعة: السفينة الغارقة.
ما أجمل هذا الشعر وما أحلى سماعه في (الليلة الخرمسية)!!
---------
(1) يسأل عَزْمَهُ هل خاف الصبح بما أنا مُقْدم عليه فتأخر خوفاً مما أنا مقدم عليه؟
(2) يشبه الفجر بحبيب يخشى رقيباً فلا يطلع.
(3) هذا الليل كأن نجومه حُلِّيٌّ لا تفارقه، وكأن الأرض قد صارت حذاءً له فلا يستطيع أن يمشي ويمضي لثقل الحذاء!! الجبوب الأرض.
(4) ترة: ثأراً.