أ. د. محمد بن مريسي الحارثي
لقد أشرنا في العرض السابق لمفهوم ثقافة المشاكلة لغة، ووظيفة إلى ما حدث من خلط عند من فهم الاختلاف مناهضاً للمشاكلة، وضداً لها، مما دفعنا إلى القراءة في أبعاد ثقافة المشاكلة، في هذه اللحظة التاريخية التي تبحث عن إحداث التغيير في كل شيء، دونما تعقل أحياناً في إدامة النظر بأن المنظور الإسلامي للكون، والحياة قائم على مبدأ المشاكلة، وليس مبنياً على مبدأ المغايرة والاختلاف إلا إذا كان ذلك يتحرك في دوائر المشاكلة.
وللثقافة مرجعيتها في حراكها العملي، والفني، ولها أصولها الانتمائية التي تطبع الثقافة عادة بطابع تلك الأصوال تناظراً، وتناظماً بين علاقات القيم الكونية. وهي قيم حية متفاعلة في حياتها مع حياة المظاهر الكونية المقدرة في حركتها وعلاقة الجزء بالجزء، والجزء بالكل منها بقدر الله لها.
وإذا ما اتجهنا بالحديث عن ثقافة المشاكلة إلى مستوى الوعي بوظيفتها عند بعض الدارسين العرب الذين عدوها نقيضاً للاختلاف؛ فإننا واجدون أن أولئك، وأمثالهم لم يتجهوا في دراساتهم للبحث عن الحقيقة المعرفية بقدر ما كانوا يبحثون عن إثارة السجال السوفسطائي المبني على محاولة التشويش على حقائق الأشياء، ولو إلى حين، لأن الحقيقة الكونية لا تتغير، ولا تتبدل.
فلقد اتكأ غير دارس من الباحثين عن بؤر جديدة للتغيير على إثارة بعض القضايا ذات العلاقة باهتمام الثقافة والمثقفين حتى على مستوى الخاصة من هؤلاء كقضايا التجديد والتحديث في الإبداع الثقافي المعرفي، والفني، والبحث في أزمة العلم التجريبي الذي لم يتحقق فيه شيء على أرض الواقع العربي وقد أشاع هذا الإحساس بأزمة المعرفة التقنية بعض الموقف الجريئة غير المنطقية المتعلقة بتخوين التراث في مواجهة هذه المشكلات، وحلها، تجديداً للقديم، وتأسيساً لمعرفة جديدة تصلح لاحداث تصورات ثقافية قادرة على الانفتاح والاستيعاب للثقافة الكونية الجديدة، والنظر إلى أن كل فعل ثقافي تراثي نظري إلهي، وبشري معوق لحركة الثقافة المرغوب في تأسيسها، بعد تهيئة الأرضية التحتية القابلة للبناء المتصور، وأصبح هم المثقف التغييري التحول من فكر قديم إلى فكر جديد يحكمه شرط المعاصرة التي لا تعير اهتماماً لتعالق ثقافة الواقع، والنص الثقافي التراثي الديني، واللغوي، والتاريخي، والاجتماعي.
إن تشاكل المرجعية العربية في تأثير تراثها في جديدها وجديدها في تراثها أمر من الوضوح بجلاء في وظائف المشاكلة. فالتراث الإلهي، وما تمحور حوله من تراث بشري لم يعرف الانقطاع، أو التوقف عن الاستمرار في عطائه، وفي تداوله التاريخي. لأن أصول المرجعية الشرعية لا تعد تراثاً ماضياً يمثل مرحلة انتهت، وتجاوزها الزمن الحدثي إنه تراث يربط الماضي بالحاضر، وبالمستقبل الدنيوي والأخروي. وهذه الوحدة الزمانية العضوية هي مناط الفعل الثقافي المتشاكل الحي. وهذا هو الذي جعل الاختلاف داخل المرجعية الواحدة لأزمة تشاكلية إذا كان الاختلاف لا يدفعنا إلى الرفض المطلق للقبول المطلق، وإلى الهدم من أجل البناء. إذ في ذلك ما يخترق مبدأ التوازن، والتوافق في علاقة المشاكلة الجديدة بالتراث. ثم إن القبول، والرفض، والهدم والبناء مطلقاً إذا قبلته الأفكار الأيديولوجية. فإن المرجعية الشرعية لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون مطواعة للاختلاف المطلق.
إن النظر إلى المقابلة بين المشاكلة والاختلاف سيقود إلى البحث في أيهما المؤهل لطبع الثقافة بطابع الجدة دون التنبه إلى أن البحث فيهما مجتمعين هو بحث في الشيء ذاته.
إن كل موجود له حياة في نفسه لنفسه، ولمتعلقاته الكونية بغيره، ومن ذلك المرجعية المعرفية؛ فإن لها حياتها في ذاتها ولذاتها، ولمتعلقاتها المتفاعلة معها، وفق وظيفتها الكونية. وعلى هذا الأساس تستمر حياة المشاكلة باستمرار حياة المرجعية التي تنتمي إليها المشاكلة، والحياة مظهر عام تعم المعاني والهيئات، والأشكال، والصور، والأقوال، والأعمال وغير ذلك.
لقد قاد البحث في الاختلاف، والمشاكلة ضدين متقابلين إلى ذلك الوهم عند الذين نظروا مثلاً إلى تقاليد الشعر العربي التي جمعها المرزوقي في مقدمة كتاب الحماسة بأنها من باب المشاكلة الجامدة، وان أبا تمام كان مختلفاً على قواعد عمود الشعر والرجل لم يخرج على عمود الشعر كما زعم أصحاب البحتري وذلك بشهادة البحتري نفسه الذي رأى انه كان أكثر التزاماً بعمود الشعر من أبي تمام؛ فكلاهما كانا يتحركان في قيم العمود. وقد تتبع المرزوقي ادعاءات من اتهموا أبا تمام بالخروج على مجاري كلام العرب. وكشف في كتابه المشكل من شعر أبي تمام الذي حققه الأستاذ الدكتور عبدالله بن سليمان الجربوع بأن أبا تمام لم يخرج على قانون لغة العرب. وقد توسعنا في دراسة هذه القضية في كتابنا «عمود الشعر العربي - النشأة والمفهوم -»، أضف إلى ذلك ان المشاكلة في استواء شعر البحتري كانت ميزة، وفضيلة، فلما كان شعر أبي تمام شديد الاختلاف وشعر البحتري شديد الاستواء يشاكل بعضه بعضاً تقدمت المشاكلة في الفضيلة على الاختلاف، وقد قيل: الشاعر البحتري، وأبوتمام حكيم. وكان أبو تمام يقدم الشعر المستوي على الشعر المختلف، ويقدم كذلك الشعر المتشاكل مع المعرفة العربية، والذوق الأدبي.
وكان اختياره من الشعر الحماسي مما كان قد استحسنه واستجاده مما ليس في كل حال على طريقته في بناء شعره فغلب تشاكل ذوقه، وما يشتهيه من الشعر على ما كان ينتجه منه.
وانظر إلى قضية نقدية أخرى أثيرت في هذه اللحظة التاريخية من الحراك النقدي العربي، وهي قضية موت النقد الأدبي وكذلك موت النقد الثقافي التي أثارها أدونيس في كتابه (كلام البدايات) الذي نشرته دار الآداب البيروتية في طبعته الأولى عام (1989م).
ولعل الذي دفعه إلى البحث عن الاختلاف، واطراح المشاكلة رؤيته في أن الشعر العربي في هذه المرحلة لن يكون له أثر معرفي، وفني إلا إذا تمرد على كل قيمة معرفية، ولغوية وموت النقد الأدبي، وكذلك الثقافي سيتحقق إذا مات الشعر القائم على المشاكلة في جانبيها المعرفي، والأدبي.
وقد بقي أدونيس يمارس مهماته النقدية في الحقلين الأدبي والثقافي. وهذا دليل على عدم نجاحه في التأثير على الذائقة العربية، وهو جزء منها، وعلى المعرفة العربية وهو متشكل منها.
لكنك لا تعدم أن تجد شيئاً من الاتفاق التشاكلي على مجموعة من الأهداف، والغايات التي يسعى هذا الفريق، أو ذاك إلى تحقيقها ضمن مجموعة عمل ينتمي إليها ذلك الإنسان.
ومن المحتمل بل من الوارد جداً، أن تتعدد الطرق، وتتنوع التصورات، والمسالك الموصلة إلى الأهداف، والغايات دون المساس بهذه، أو تعطيل مشروع تنميتها.
فدونك على سبيل المثال تحولات الإمام الشافعي رحمه الله في مذهبه الفقهي، التي لم تخرج على مشاكلته الفقهية في ذاتها وفي مراعاتها للأصول المذهبية الفقهية عند أصحاب المذاهب الأخرى.
وانظر كذلك إلى تحولات الدكتور محمد مندور النقدية. من النقد اللغوي، إلى المنظور الأيديولوجي، وقد أحس بأهمية المشاكلة في ضبط وعيه النقدي فجعل الذوق أساً في تفسير الأدب، بوصفه مرجعاً من مراجع الحكم النهائي في فهم الأدب ونقده، وإذا بالاختلاف عنده يتحرك في دائرة المشاكلة المرجعية، لغة، وذوقاً.
وهذا مؤشر إلى أن كل دعوة جديدة تكون منبتة عن الأصول الانتمائية للشعب أو للأمة، ولو في أذهان أصحابها تكون بعيدة عن فعل الممارسة، حقيقة، وواقعاً.
والذين يبنون تصوراتهم لخريطة الثقافة العربية على قيم المخالفة والتغاير، وليس على مبدأ المشاكلة يصطدمون بواقع الحقيقة المرجعية. فالمرجعية العربية في الجاهلية والإسلام مرجعية تشاكلية. الأولى تشاكلية تواضع شعبي، والأخرى تشاكلية انتماء إلى خطاب إلهي غير قابل للتغيير والاختلاف. ومن هنا يكون التغيير ظاهرة منغلقة في عدم تفاعلها مع الأصول.
فإما أن تموت هذه الظاهرة في مهدها،وإما أن تكون خارج دائرة المرجعية تبحث لها عن انتماء خارجي غيري، عندما يكون تحاور المستجدات مع التراث تحاوراً ضدياً، وليس تحاوراً تشاكلياً. وقد أحدث هذا الصنيع جدلاً مفتعلاً بين المعرفة والعقل، والحرية والنظام والعدل والاستبداد، والديمقراطية ونظام الإسلام والعولمة والخصوصيات، والتوجه إلى أن يكون الإنسان مركز الكون في فعله.
وكان المنظور التنويري في احلال معرفة مكان معرفة وجديد مكان قديم إن لم يكن عن طريق التغيير فعن طرق التوجيه للقديم توجيهاً يبحث في فقه الواقع بعيداً عن فقه النص، على اختلاف في درجات دعوات التغيير والتوجيه.
خذ على سبيل المثال قراءة حسين مروة التي واجه فيها بين المرجعية التراثية، وأزمة الواقع في «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» ومحاولة زكي نجيب محمود في رؤيته نحو تجديد الفكر العربي في بعض دراساته التراثية، وكيف واجه بين الوضعية المنطقية والتراث العربي؛ بعد أن كان منقطعاً في البحث عن تبعية عربية للوضعية المنطقية. وكان الجابري يبحث في التوفيق بين التراث والمعاصرة. ولم يكن حسن حنفي بعيداً عن توجه الجابري حين كتب حنفي عن التراث والتجديد. وقد أسهم طيب تيزيني برؤية جديدة للفكر العربي. وكان هؤلاء وغيرهم يقرأون التراث في ضوء التحولات الثقافية، والاجتماعية. لذلك كانت قراءتهم قراءات اختيارية لمادة التراث العربي بمنظار الواقع وكان الهدف منها مواجهة الواقع الجديد بالتراث، واستثمار معطى الآخر لتطويع آليات التغيير. لكن الأساس في القراءة كان يتجه إلى داخل المرجعية التراثية العربية لإعادة النظر فيها من الداخل؛نقداً وتوجيهاً، تمهيداً لعصرنتها، وليس تمهيداً لترثنة المعاصر، ولو من وجهة النظر الشرعية. نظراً إلى انهم كانوا يتكئون على الفهم العقلي من حيث «لا سلطان على العقل إلا العقل».
وان مخالفات النص التعبدي، والغيبي، والمعاملاتي يعد ذلك كله من باب الزبد الذي يذهب جفاء، وما ينفع الناس ما أقر العقل بنفعه. ومثل هذا التصور أضعف دور المشاكل عندهم في التوفيق بين الخطاب الديني الذي شكك في علمانية الخطاب التنويري.
إن التوافق، والإنسجام بين خطابات الثقافة العربية لا يتحقق ويأتي أكله في كل حين إلا إذا تحققت أهمية الوعي بتآخي أنساق المعرفة العربية التشاكلية في علاقة بعضها ببعض وهو تآخ ناشئ من وثوق الوعي بأحادية المرجعية العربية الشرعية، التي منها وإليها تنطلق المشاكلة، وتعود. وحولها تكون التعددية في الفهم، والتصورات.
وهذا الارتباط العضوي المرتكز على مبدأ التشاكل بين بنيات الجسد المعرفي الواحد يشبه بنية ووحدة الكائن الحي تشبيهاً على الحقيقة، والتقريب. وهذا ما ميّز تحولات المعرفة العربية في تآخي جديدها مع قديمها وهذا لم يدع الحاجة قائمة للتغييرات، والاختلافات الانزياحية بمعنى التغيير الذي يرفض شيئاً ليقبل غيره ويهدم ليبني.
فالاختلاف لا ينبغي أن يفهم على انه نقيض للمشاكلة، أو مناهض لها.
فالله سبحانه وتعالى خلق الكون متشاكلاً في علاقات الأجزاء بالأجزاء، وهذه بالكل، وأنزل الكتب السماوية متشاكلة في أصل الدين. وقد جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً. لكن إقرار التوحيد ونبذ الشرك، والمحافظة على الضرورات الخمس كل ذلك أصول الرسالات السماوية. وقد جعل الله الناس مختلفين في الوصول والمسالك إلى الغايات، ولم يجعل الغايات من الخلق مختلفة. {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}
ص. ب13109 مكة المكرمة 21955