عُرفت المعارضات في الشعر العربي، منذ العصور الجاهلية، والمعارضة منافسة بين إنسان وإنسان، تصاحب أناساً منذ بدء حياتهم، فنجدهم يسعون إلى السبق إلى غايتهم، وهم واثقون في أنفسهم، ويطلبون التفوق والتبريز في معارضاتهم. والمنافسة في كل شيء، تدفع أهل الهمم، ذوي النفوس الكبيرة على تحقيق بغيتهم، والوصول إلى مرادهم.
والشعراء هم الساعون إلى المعارضة، فنرى الشاعر يعارض شاعراً آخر، ويعرض ما عنده ليتحدّى زميله، فيأتي بشعر قد يفوق شعر صاحبه.
وهذا امرؤ القيس، كان يسير، بصحبة أوباش من القبائل العربية - وأوباش العرب هم صعاليكهم - يمشي امرؤ القيس ومعه الصعاليك، مغروراً بجاهه وماله، وغناه وترفه، فكان يتحدّى الشعراء وينافرهم. وكان عِرِّيضاً كثير المنازعة للشعراء.
يُروى أن امرأ القيس، لقي الحارث بن التوأم اليشكري، فقال له: إن كنت شاعراً، فأجزْ ما أقول، فقال الحارث: قل ما شئت:
فقال امرؤ القيس: أَحارِ تَرى بُريْقاً هبَّ وهناً.
فقال الحارث: كنار مَجوسَ تستعرُ اسْتعارا.
فقال امرؤ القيس: «أرقْتُ له ونام أبو شُريْحٍ».
فقال الحارث: «إذا ما قلتُ قد هدأَ استْطارا»
فقال امرؤ القيس: «كأَنَّ هزيزهُ بوراء غيبٍ».
فقال الحارث: «عِشارٌ وُلَّهٌ لاقتْ عِشارا»
ويستمر الشاعران في المعارضة، حتى يُفْحم الحارث بن التوأم اليشكري امرأ القيس. وانظر: ديوان امرئ القيس، ص 87 و88 و89 طبعة المكتبة التجارية بمصر سنة 1358ه..
وقد روت كتب الأدب هذه المعارضة، وأسهبت القول فيها، وبينت لنا ما يحمله امرؤ القيس من اعتزاز بنفسه. ومع أن امرأ القيس هو الذي ماتَنَ الحارث بن التوأم اليشكري، أي باراه وعارضه في جدل وخصومة، إلاّ أن الحارث اليشكري غلبه، وكانت فرصة امرئ القيس متاحة له، ليغلب الشاعر التوأم، لأن امرأ القيس استهل أبياته بأشطرها الأولى التي خلت من القافية، والقوافي كثيراً ما تكون حجر عثرة أمام الشعراء، فنرى بعضهم يتخبط خبط عشواء أمام القوافي، فيأتي شعره ضعيفاً هلْهالاً...
ومن المعارضات بين امرئ القيس وغيره من الشعراء، ما رواه أبو الفرج الأصبهاني، حيث قال: كانت تحت امرئ القيس امرأة من طيئ تزوجها حين جاور فيهم، فنزل به علقمة بن عبدة التميمي، فقال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أشعر منك. فتحاكما إلى زوج امرئ القيس، فأنشد امرؤ القيس قصيدة طويلة أولها قوله:
خليليّ مُرَّا بي على أمِّ جندْبِ
نُقّضِّ لباناتِ الفؤادِ المعذَّبِ
حتى مر بقوله:
فللساق أُلهوبٌ وللسوطِ دِرّةٌ
وللزجْرِمنه وقْعُ أهوجَ مِنْعَبِ
وفرس مِنعب: بكسر الميم، وسكون النون، وفتح العين، الذي يستعين بعنقه، ويمدّه في الجري..
ثم قال علقمة قصيدة طويلة من البحر والقافية، أولها:
ذهبْتَ من الهجْران في غير مذْهبِ
ولم يكُ حقاً كلُّ هذا التجنّبِ
وأخذ علقمة يصف حصانه وهو يطارد الصيد،حتى انتهى إلى قوله:
فأتْبع أدْبارَ الشياه بصادقٍ
حثيثٍ كغيث الرائحِ المتحلَّبِ
والحثيث: - السريع، والرائح: السحاب، والمتحلب: المتساقط، المتتابع.
وللبيت رواية أخرى..
ويُروى البيت هكذا:
فأدْرَكه حتى ثنَى من عنانِه
يمرُّ كغيثٍ رائحٍ متحَّلبِ
وسبب جوار امرئ القيس لقبيلة طيئ، هروبه من (المنذر)، ولما سمعت أم جندب (زوج امرئ القيس)، حكمت أم جندب لعلقمة، فطلقها امرؤ القيس، وخلف عليها علقمة بن عبدة بن النعمان التميمي، فسمّي علقمة الفحْل، وقيل سمي بعلقمة الفحل، للفرق بينه وبين شاعر آخر من قومه، يقال له: علقمة الخَصيّ. وانظر الأغاني جزء 21 صفحة 224 - ,,227.
وكان علقمة الفحل من المعمَّرين، لأنه عاصر امرأ القيس، وقد مات امرؤ القيس الكندي قبل الإسلام بنحو ثمانين سنة، وعاش علقمة حتى أدرك بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لم يدرك الهجرة، لأنه مات سنة 620 للميلاد. وقد أعقب ولدين : علياً وخالداً، وكانا شاعرين، وكان لعلي ولد شاعر يسمى (عبدالرحمن) ، وللثلاثة أشعار تلحق بديوان (علقمة الفحل)..
وأعود إلى ما حكمت به زوج امرئ القيس التي قالت: علقمة أشعر منك، قال: وكيف، قالت: لأنك زجرت فرسك، وحركته بساقك، وضربته بسوطك. وأنه جاء هذا الصيد، ثم أدركه ثانياً من عنانه.. دون أن يضربه بسوط، وما مرى فرسه بساق. وانظر: (خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب) للبغدادي، ص284 جزء 3 طبعة دار الكاتب العربي بمصر سنة 1387ه.
فغضب امرؤ القيس وقال: ليس كما قلْتِ، ولكنك هويتِه، فطلَّقها.
والمعارضة الشعرية ترتاح إليها العرب، وتميل إليها في أسواقها في الجاهلية بعامة، وسوق عكاظ بخاصة، وعلى الشاعرين اللذين اختارا المعارضة، وهي المنافرة و المباراة والتحدّي، أنْ يوجبا على نفسيهما البحر والقافية، وأنْ يستمعا إلى النقَّاد المحكّمين الذين يقرّرون من له الغلبة، وقد تؤدي نتيجة الحكم إلى اختفاء اسم الشاعر، وطي قيده من سجل الشعراء المبرّزين... وجاء الإسلام، وأشرقت الجزيرة العربية بنوره، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنْ يحارب العرب بسلاحها، فحاربها بالسيف أولاً، ثم بالشعر، ولما كان يوم الأحزاب، ورد الله الكافرين خاسرين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحمي أعراض المسلمين ؟ فقال كعب بن مالك: أنا يا رسول الله، وقال عبدالله بن رواحة: أنا يا رسول الله، وقال حسان بن ثابت: أنا يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم اهجهم أنت فإنه سيعينك الله بروح القدس.
وكان لمشركي قريش شعراء، يأتي على رأسهم: عبدالله بن الزبعْرَى، وعباس بن مرداس، وضِرار بن الخطَّاب، وغيرهم من الشعراء. وقد كثرت المعارضات بين المسلمين والمشركين، وسيطول الحديث عنها لو أسهبتُ في الكلام.
وجاءت غزوة (أحد) بعد (بدر) وقال شعراء المشركين في هزيمتهم شعراً، عارضه شعراء المسلمين بشعر يفوق شعر شعراء المشركين. وهذه هند بنت عتبة، التي بقرت كبد حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه) ولاكتها، ورمت بها. ثم ارتقت جبلا يشرف على المقاتلين، وجلجلت بصوتها، قائلة:
نحن جزيناكم بيوم بدْرِ
والحربُ بعد الحرب ذاتُ سُعْرِ
ما كان عن عتْبةَ لي من صبْرِ
ولا أخي وعمّه وبكْري
شَفيتُ نفسي وقضَيتُ نذْري
شَفيْتَ (وحّشيَّ) غليلَ صدْري
فشكرُ وحْشيّ عليَّ عمْري
حتّى ترِمَّ أعظُمي في قبْري
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عبّاد بن المطلب، فقالت:
خَزيْتِ في بدْر وبعد بدْرِ
يا بنت وقَّاعٍ عظيمِ الكفْرِ
صبّحك الله غداةَ الفجْرِ
مِلْهاشميين الطوالِ الزُهْرِ
بكّل قطَّاعٍ حسامٍ يَفْري
حمزةُ ليْثي وعليٌّ صَقْري
إذْ رام شيْبٌ وأبوك غَدْري
فخضَّبا منه ضواحي النحْرِ
ونذْركِ السوْءَ فشرُّ نذْرِ
قال ابن هشام: تركنا منها ثلاثة أبيات أقذعت فيها. وقد هجا حسان بن ثابت (رضي الله عنه) هند بنت عتبة، ولم يذكر مؤرخو السيرة النبوية بعض شعر حسان في هجائه (هند) لأنه أقذع فيها. وانظر كتاب (الروض الأُنف) للإمام السهيلي طبعة دار الكتب الحديثة ص 15 - ص16 طبعة 1390ه.
وينبغي لي أن أقول لمن يريد أن يحجر على المرأة المسلمة ظهورها محتشمة، لممارسة نشاطها في عملها، وهي شقيقة الرجل في أدبه وعلمه وإدارته.. أقول له : على رسلك يا أخي، فإن للمرأة المسلمة دورا كبيرا، في تاريخنا العربي والإسلامي، مما لا يستطيع دعاة تحرير المرأة أن يقدموا لها أفضل ما قُدِّم لها.. واقرأ معي ما جاء عن أم عَمَارة، نسيبة بنت كعب الخزرجية، التي قاتلت مع المسلمين يوم أحد. وقد روت عنها أم سعد بنت سعد بن الربيع، أنها قالت:
خرجت أول النهار إلى أحد، وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله، فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إلي، ثم قالت أم سعد: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت لها: من أصابك بهذا ؟. قالت ابن قُميئة، أقمأه الله، لما ولَّى الناس عن رسول الله، أقبل يقول: دُلّوني على محمد، فلا نجوتُ إن نجا، فاعترضتُ له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله، فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدوّ الله كان عليه درعان. وسقط لواء المشركين يوم أحد، فحملته عمرة الحارثية لقريش، فاجتمعوا حوله. وعمرة الحارثية، تنسب إلى حارثة بن عمرو بن مزيقياء، من قحطان جد جاهلي يماني،
كانت منازل بنيه عند خروجهم من اليمن بمر الظهران (بقرب مكة المكرمة)، وهم خزاعة فيما يقال.. وانظر: (كتاب المغازي) للواقدي، ففيه فصل طويل، عن هذه الصحابية الجليلة (أم عمارة).
ثم يطلع علينا بداية العصر الأموي، والخلاف قائم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما... فيخرج على المسلمين جماعات من الناس، يناوئون علياً بن أبي طالب (رضي الله عنه)، لأنه رضي بالتحكيم، ويُسمون بالخوارج، وكانوا يحملون راية الشقاق والخلاف، لا يرضون بالحكّام، ويعبثون بالأمن والسلام، حتى استأصل شأفتهم المهلَّب بن أبي صُفْرة، في خلافة عبدالملك بن مروان، ثم قام عبدالله بن الزبير بن العوام قبل ذلك، فكان له جنده وأعوانه..
والناس كعادة الناس يتلوّنون ويظهرون بوجوه عديدة، فقرأنا عن أناس يصلّون مع علي (رضي الله عنه)، لأن الصلاة خلفه أخشع، ويجلسون على مائدة معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه)، لأن طعامه أدسم.. وإني لأستعجب من موقف مسكين الدارمي (ربيعة بن عامر بن أنيف - بالتصغير - التميمي)، وهو من أشراف تميم، لقب مسكيناً لأبيات قال فيها:
وسُمّيتُ مسكيناً وكانتْ لَجاجةٌ
وإنّي لمسكين إلى الله راغبُ
وله بيت من الشعر متداول، وهو:
أخاكَ أخاكَ إنَّ من لا أخا لهُ
كساعٍ إلى الهيْجا بغيرِ سلاحِ
أتعجب من هذا الرجل الفاضل الذي يدعو إلى مبايعة يزيد بن معاوية ابن أبى سفيان، ويصرح بهذه الدعوة ويقول:
بني خلفاءِ الله مهّلاً فإنما
يُبوّؤها الرحمنُ حيثُ يريدُ
إذا المنبرُ الغربي خلاّه ربُّه
فإنَّ أمير المؤمنين يزيدُ
وكان الشاعر أعشى ربيعة، واسمه (عبدالله بن خارجة الشيباني) يقول:
وفضَّلني في الشعر واللبّ أنني
أقولُ على علْم وأعرفُ منْ أعْني
وإنّي إذا فضَّلتُ مروان وابنَه
على الناس قد فضَّلتُ خيرَ أبٍ وابْنِ
وهذان الشاعران، وغيرهما من الشعراء، يقولان ما قالا، لأنهما شديدا التعصب لبني أمية، وهما في زمن يعيش فيه شعراء من أنصار علي (رضي الله عنه).
وقد اشتهر من شعراء بني أمية : الأخطل وجرير وابن جعيل، واشتهر من شعراء الخوارج: عمران بن حطان، وشاعر آل الزبير: عبيد الله بن قيس الرقيَّات.. ولما صار الأمر إلى عبدالملك بن مروان، شفع له عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، فسأل عبدالملك في أمره فأمّنه. وله قصة طويلة مع عبدالملك بن مروان، حينما لجأ إلى عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، ولمن أراد الإطالة فليقرأها في كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني، الجزء الخامس، صفحة (64)، طبعة دار الثقافة ببيروت.
ونرى أحد الشعراء المعارضين، وهو الكميت بن زيد، من بني أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. يهجو اليمن بقصيدته التي يقول فيها: (ألا حُيّيتِ عنَّا يا مَدينا) وهي قصيدة مكونة من ثلاثمائة بيت، لم يترك فيها حياً من أحياء اليمن إلا هجاه، وتوارى وطُلب، فمضى إلى الشام، فقال شعره الذي يقول فيه: «قِفْ بالديار وقوف زائرْ».. وقصة هروبه من السجن ذكرها أبو الفرج الأصبهاني في كتاب (الأغاني) في الجزء السادس عشر، في الصفحة (328) من طبعة دار الثقافة ببيروت لعام 1959م..
ونقرأ في كتاب (الكامل) للمبرّد ص281 وص282 طبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1355ه. ما دار بين شاعرين معروفين، وما دار بينهما يُعدُّ من المعارضات الشعرية.. يقول المبرد: إن معاوية بن أبي سفيان أرسل إلى علي بن أبي طالب كتاباً كتب في آخره أبياتاً لكعب بن جُعيل وهي:
أرى الشامَ تُنكر ملْك العراقِ
وأهْلُ العراقِ له كارهينا
وكُلاّ لصاحبه مبغِضاً
يرى كلَّ ما كان في ذاك دِينا
إذا ما رموْنا رميْناهمو
ودنَّاهمو مثْلما يُقرضونا
فقالوا عليٌّ إمامٌ لنا
فقلْنا رضِينا ابْنَ هنْدٍ رضينا
وقالوا نرى أنْ تدينوا لَهُ
فقلْنا ألا لا نَرى أن نَدِينا
ومن دون ذلك خرْطُ القَتادِ
وضربٌ وطعنٌ يُقرُّ العيُونا
وفي آخر الشعر ذمٌّ لعلي (رضي الله عنه) أمسك المبرد عن ذكره.
فكتب إليه علي «رضي الله عنه» جواب رسالته، وأشفعها بقصيدة للنجاشي، أحد بني الحارث بن كعب. فقال النجاشي يجيبه:
دعوتَ معاويَ مالنْ يكونا
فقد حقَّق الله ما تَحذرونا
أتاكم عليٌّ بأهلِ العراقِ
وأهْلِ الحجازِ فما تَصْنعونا
وكثرت المعارضات بين الشعراء الأمويين، وطغت على سلوك المسلمين، وأحيت روح الجاهلية، وثار الهجاء بألوانه السيئة، بين الفرزدق وجرير و البعيث المجاشعي. وسبب ذلك أن فتية من يربوع، يقال لهم بنو ذُهيل، سرقوا إبلاً للبعيث واسمه: خداش بن بشر من بني مجاشع، وكان البعيث أخطب بني تميم، فقال جرير قصيدته التي يهجو فيها البعيث، مطلعها:
طاف الخيالُ وأينَ منك لماما
فارجعْ لزورك بالسلام سلامَا
فثار البعيث، وعارضه بشعر يهجوه شر الهجاء، مطلعه:
أجريرُ أقْصرْ لا تحنْ بك شقوةٌ
إنَّ الشقيَّ ترى له أعلاما
وسمعها الفرزدق، فقال ينتصر للبعيث بقصيدة يهجو فيها جريراً، مطلعها:
ألا اسْتهزأتْ منّي هنيدةُ أن رأتْ
أسيراً يداني خطوه حلَق الحجْلِ
وتبعه البعيث بأخرى، يهجو فيها جريراً، ويقول:
أهاجَ عليك الشوق أطْلال دمْنةٍ
بناصفة الجوّين أو جانب الهجْلِ
فرد عليه جرير بقصيدة، يقول في مطلعها:
عُوجي علينا واربعي ربة البعْلِ
ولا تقتليني لا يحلُّ لكم قتْلي
فيرد عليه الفرزدق، ويقول:
ألا حيّ رهْبَى ثم حيّ المطاليا
فقد كان مأنوساً فأصبحَ خاليا
ومعظم قصائد المناقضات بين الشعراء الأمويين، إذا نظرنا إليها عروضياً، وجدناها لا تخرج عن البحر الكامل، وتنتقل أحيانا إلى البحر الطويل، وتلتزم قافية واحدة، وقد ينقلها الفرزدق إلى قافية أخرى، وكأنه يتحدى خصمه، ويظهر له قدرته الشعرية على صياغة الشعر، واختيار القوافي الصعبة.
ويعود سبب المهاجاة بين الفرزدق وجرير، إلى أن الأخطل أشاد بالفرزدق وشعره، في مجلس بشر بن مروان أمير الكوفة، وأنشأ قصيدة طويلة يزكّي فيها الفرزدق، مطلعها:
بكَر العواذلُ يبتدرنْ ملامتي
والعالمون فكلُّهم يلْحاني
يقول فيها:
قبح الإلهُ بني كليبٍ إنّهم
لا يحفظون محارمَ الجيرانِ
تاج الملوك وفخرهم في دارمٍ
أيامَ يرْبوعِ مع الرعْيانِ
فأسرع الفرزدق ينتصر للأخطل ويقول:
يا ابنَ المراغةِ والهجاءُ إذا التقتْ
أعناقُه وتماحك الخصْمانِ
يا ابن المراغةِ إَّن تغلب وائلٍ
دفعوا عناني فوق كلّ عنانِ
فسلَّ قلمه جرير وقال:
لمن الديارُ ببرقةِ الروحَانِ
إذ لا نبيعُ زماننا بزمانِ
ويقول فيها:
أنسيتَ ويْلَ أبيك غدْر مجاشَعٍ
ومجرَّ جِعْثنَ ليلةَ السيدانِ
ونسيتَ أعْينَ والربابَ وجارَكْم
ونوارَ حيث تصلْصل الحجْلانِ
يقول للأخطل: أنسيت غدر مجاشع، (وهي قبيلة الفرزدق) بالزبير بن العوام، حين استجار ببني مجاشع، بعد وقعة الجمل، ثم يشير إلى حادثة غريبة، هي أن غالباً أبا الفرزدق، جاور طلبة بن قيس بن عاصم المنقري، بالسيدان: بكسر السين، اسم ماء لبني تميم في ديارهم، وقد ذكره جرير في شعره، فقال:
بذي السيدان يركضُها وتجْري
كما تجْري الرجوفُ من المَحالِ
وبالسيدان قيْظُك كان قيظاً
على أمّ الفرزدق ذا وَبالِ
وكانت (جِعْثِن) بكسر الجيم، والعين الساكنة، والثاء المثلثة المكسورة، أخت الفرزدق، صديقة لظمياء بنت طلبة، تتحدث إليها كل ليلة، وكانت إذا أرادت لقاءها، حركت لها حجلها لتجيء إليها، فأراد الفرزدق أن يلتقي بظمياء، في غياب أخته (جعثن)، فأخذ الفرزدق حجلها وحركه كعادة أخته، فجاءت ظمياء كعادتها، فارتابت بالفرزدق وصاحت، وعادت إلى خدرها. فلما علم فتيان الحي، أسرعوا فأخرجوا (جعثن) من خبائها ثم سحبوها ليشهروا بها. وقد ذكرت القصة مطولة في بعض كتب الأدب. وجاء في (خزانة الأدب) للبغدادي، عن (جعثن): أنها امرأة صدق، وقد كذب عليها جرير، إذ كان يذكرها في مهاجاته للفرزدق بسوء. وقال اليربوعي: وكذب عليها جرير، وكان يقول: أستغفر الله فيما قلت لجعثن.
قال: وكانت إحدى الصالحات.. وانظر: (خزانة الأدب) ج1 صفحة 217 طبعة دار الكاتب العربي سنة 1387ه.
وهناك رواية أخرى تشير إلى أسباب الخلاف بين جرير والفرزدق، يطول شرحها، ولنا عودة إن شاء الله، إذا ما وهب الله لي ملاءً من العمر، يؤنسني بنشاط وهمّة..
واسم الفرزدق: همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية، من بني دارم، من بني تميم، وكان جده (صعصعة) محيي الموءودات، وجعل على نفسه أن لا يسمع بموءودة إلا فداها، فجاء الإسلام، وقد فدى ثلاثمائة موءودة، وقيل: أربعمائة..