على مدى سنوات طويلة من تاريخ منجزنا الصحفي حققت المرأة السعودية قفزات هائلة ومتوالية في بلاط صاحبة الجلالة وأثرت هذه التجربة وأثرت فيها وأضحت تملك من الحذاقة. والمهارة ما جعل الكثيرين يشيدون بهذه التجربة الثرة الأمر الذي اكسبها اعتزازاً بهذا المشوار الحافل بالنجاح والمليء بالصعوبات، ومن منا لا يذكر عطاءات فاتنة أمين شاكر وخيرية السقاف وشعاع الراشد وخزيمة العطاس وأمجاد رضا وغيرهن ممن عشقن مهنة المتاعب، إلا ان الصحفية السعودية بعد هذا المنجز المتميز كانت تنتظر ان تكافأ بمنصب ربان السفينة الصحفية «رئاسة التحرير» إلا ان هذا الطموح لم يزل حلماً يراودهن أمام سلطة الرجل.
«ثقافة الرياض» ناقشت بعض الأسماء الصحفية النسائية اللاتي كشفن من خلال مواقعهن الصحفية المتميزة ما تعانيه الصحفية السعودية.
في البدء تحدثت بلوعة وصراحة مسؤولة التحرير بجريدة المدينة الصحفية منال الشريف وذكرت ان المرأة السعودية لم تصل في المؤسسات الصحافية إلى كرسي قيادة أو صاحبة قرار بعد على الرغم ان أغلب الكتاب والمثقفين وأصحاب الأقلام الذهبية في صحافتنا يرددون في كل المحافل الدولية والمحلية بمناصرة المرأة ومؤازرتها والوقوف بجانبها وتوفير الفرص لكي تنهض بنصف هذا المجتمع وفي الحقيقة ان تلك الشعارات لا تتجاوز حبر الأقلام وتلك الأقوال لا تتجاوز الحناجر. بالرغم ان بامكانهم تغيير نمطية فكر في مجتمع بأكمله ولكن عند المرأة في الإعلام تكتف الأيدي ويخرس اللسان.
ومن الغريب أيضاً ان نجد ذلك في جميع القطاعات الأخرى فوكيل الوزارة لكليات البنات نجده رجل وفي نفس الوقت لا يمكنه بأي حال من الأحوال الاشراف على الكليات والدخول إليها اثناء الدوام الرسمي ولكن الكلمة الأولى والأخيرة له فلا يوجد هناك امرأة في كليات البنات تصدر قراراً بالرغم انها ترى ما لا يراه، ونقيس على ذلك الكثير من القطاعات الحكومية والأهلية في المملكة الأمر الوحيد الذي تملك المرأة فيه القرار في بلدنا هي الطبيبة السعودية بدون أي تدخل ذكوري وذلك اثناء قيامها بواجبها تجاه المريض فهي من تملك القرار حينها.
وصلت الصحافية السعودية إلى مفترق الطرق أو (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء)، فلازلن على تخبط بين أمزجة وأهواء من يديرون المكاتب التحريرية أو رئاسة تحريرنا، فليست هناك خطى واحدة ثابتة يمكن السير وفقها بل دائماً القالب مقلوب على رأسه وعلى عقبيه واعتقد انها هي الحكمة اليوم في عرفنا الصحفي.
ولنا في الصحافيات السابقات أسوة ولكنها ليست حسنة فهناك الكثير من الأسماء اللامعة قد اختفت وزج بها في منازلها لأنها لم تقبل بقرار أو لم تسمح كرامتها بأن تكون أقل من مدير المكتب الذي يترأسها وخاصة أن وجدت في نفسها خبرة وجدارة تتفوق عليه وفي نفس الوقت هو أصبح مديراً بسبب كونه رجلاً أو ينتمي لمجموعة (شلة فلان من الناس).
لم تصل المرأة في وسائلنا المطبوعة إلى كرسي نائب لرئيس التحرير ولا أعرف ما هو السبب؟ وهم يعلمون جيدا حذاقة وبراعة المرأة الصحافية في الميدان وفي التحقيقات والتي تتفوق عن بعض الأسماء اللامعة في عالمنا الصحفي وخاصة من تيبست قدماه حول كرسي الإدارة والذي بدوره يفقد المهنة شيئاً فشيئاً حتى ينتهي به الأمر إلى فقدانها كلية، بل يصل الأمر للإداريين في المؤسسات الصحفية إلى استغلال الكوادر البشرية لملء صفحاتها بأجر زهيد وهم أكثر الناس يعلمون ما قيمة التشجيع والدعم الذي قد يخلق رواداً للقلم.
خلال العشر سنوات التي مارستها كصحافية وتنقلت من مكان لآخر لم أجد هناك امرأة تملك أي قرار بل تنتهي علاقتها بالمادة التحريرية فور الانتهاء منها ولا يحق لها أن تسأل لماذا لم تنشر؟ ولا يوجد من يقول السبب، بل نجد المتعاونين الرجال افضل منها منزلة وقدراً وأمراً في نشر المادة. وتكشف الشريف بعض المعايير وتقول:
ولا أخفي أن بعض الإدارات في الأجهزة الإعلامية قبلت ببعض الإعلاميات ضمن معايير أخرى لا أريد الخوض فيها، ولكنها لا تستمر وسرعان ما تزول فالبقاء للأفضل فالغالبية منهن يدركن تماماً أن ممارسة المهنة عملا متخصصا وليس بابا مشرعا لمن فشلت على الحصول على وظيفة وهذا ما ساعدهن على ممارسة الصحافة كرسالة وهواية وليست كوظيفة وكان النجاح حليفهن.
بدأت المؤسسات الصحافية منذ أكثر من عشرين عاماً تتخذ من المكاتب النسائية (برستيج) أو ضمن الكماليات بل الحاجة الملحة في تأسيسها يرجع لوجود أماكن لا يمكن أن يدخلها الرجال كالاحتفالات النسائية ولو تمكن من دخولها الذكور لما كانت هناك صحافة نسائية في وطننا.. لست متشائمة!! ولكن الأوضاع التي عايشناها تفرض ما أقول، ومن هنا كانت لها البدايات شيئاً فشيئاً حتى زاحمت الرجل بل أحيانا تفوقت عليه. وما نراه اليوم تقليعة جديدة تنادي بها الإدارات الصحافية بأنه لايوجد قسم نسائي أو رجالي بل لابد أن نكون كياناً واحداً، وهذا قد يفرح البعض ولكنّ الأمر مختلف برمته وليس على هذه الوتيرة أبداً فهو بذلك يلغي تدرجها الوظيفي إلى الأفضل بينما زملاؤها يرتقون إلى أعلى مناصب وإلى نواب ورؤساء تحرير، وهي كما هي وكأنها أحد المنازل الموقوفة لله تعالى.
وتواصل الشريف قائلةً:
لابد أن تكون هناك أبجديات ومعايير وأخلاقيات يتفق عليها جميع رؤساء التحرير توضح بها خارطة الصحافة السعودية النسائية وحتى لا يكثر اللغط وإهدار الحقوق ما بين مطبوعة وأخرى ما مدى وضع المرأة في الهيكل الوظيفي الإعلامي القادم وإلى أي المناصب ستصل وتلك ننتظرها بفارغ الصبر من القيادة العليا حفظها الله ومن وزارة الإعلام.
وتؤكد الصحفية سالمة الموشي أنه لم يعد غياب المرأة عن رئاسة التحرير بالأمر المستساغ في ظل الانفتاح الإعلامي الكبير الذي تشهده وسائل الإعلام بمختلف اتجاهاتها، وسيظل هذا الغياب مألوفا طالما هناك عوائق تحدد مهام التحرك النسوي الذي يجب أن تتحرك المرأة الإعلامية من خلاله. وقصر هذا الدور على المهام الصغيرة والغير مؤثرة في السياسة الإعلامية للمؤسسة أو المطبوعة هو واقع حال الإعلامية التي قدم لها المسمى (رئاسة تحرير أو مديرة تحرير) كدور ثانوي وشكلي ليس إلا، وساهمت النساء اللواتي حصلن على هذه المسميات في تعزيز هذا الدور الهامشي أولاً: بالقبول بالدور المهمش من وراء الكواليس والتبعية المطلقة في العمل مقابل الدخل المادي الذي تحصل عليه لتسويق مسمى رئيسة تحرير أو مديرة تحرير.
ثانياً: في عدم التحرك باتجاه مصلحة جيل نسائي بأكمله وغلبة المصحلة الشخصية على هذا الأمر بمعنى طالما أنا أحصل على ما أريد فلست معنية بتغيير الواقع المربك والمنصف للبقية من النساء اللواتي يتطلعن أن يكن صاحبات رأي وقرار ورؤية في التحرك الإعلامي بكافة قنواته المقروءة والمسموعة والمكتوبة.
الرجل وفي أحيان كثيرة لا يمتلك الكفاءة الكبيرة والمميزة التي تمتلكها زميلة له في نفس المهنة انما يحصل هو على هذا الامتياز بالنوع وهو بالتأكيد لا علاقة له هنا بالقوامة والإنفاق ولكنه أصبح عرفاً أشبه بأعراف الجاهلية لانعلم متى الفكاك منه.
وتلفت الموشي إلى أهمية معايشة التجربة فتقول:
وهنا أنا بشكل عام لست مع الفكرة السائدة حول مسألة التأهيل الأكاديمي، هناك ما هو أهم وأجدى بكثير هناك التجربة، معايشة الواقع، العمل الحقيقي والملموس الحاسة الصحفية التي تتولد في شخص دون الآخر، استشعار معنى أن يكون المرء إعلاميا وليس أدل على هذا أن الكثير من الرجال يتسلمون أماكنهم في رئاسة التحرير ومواقع متقدمة في المجال الإعلامي وهم ليسوا على هذا القدر من التأهيل الأكاديمي أو النظري.
اعتقد أن هناك مشكلة جذرية لها وثيق الصلة بمسألة الثقة بقدرات المرأة في مناصب صنع القرار في المؤسسة الإعلامية بشكل عام. لا أحب أن ألوم النساء هنا ولكن أؤكد على أن هناك غيابا حقيقيا للإيمان المطلق بأنفسهن، والاستعداد العملي للمطالبة بما هوحق لهن في هذا الأمر.
وتختتم الصحفية حليمة مظفر المسؤولة عن المكتب النسائي بجريدة الشرق الأوسط موضوعنا بشيء من المرارة ضد السلطة الذكورية فتقول:
نعم إلى الآن الصحافية السعودية مهمشة في ظل الصحافة الذكورية التي لم تعطها سوى مناصب اسمية فقط تنفيذية بالدرجة الأولى داخل إطار التحرير النسائي والأقسام النسائية رغم أنها تجاوزت أعمالها الصحافية حدود الشؤون النسائية، وما يزال الحاجز النفسي والاجتماعي يضعها خلف هذه الأقسام لتكون أعلى طموحاتها فيه مجرد منصب إداري في ذات القسم الذي في أساسه تحت إشراف المسؤولين الصحافيين.
فما الذي يمنع وصول المرأة لكرسي نائب رئيس التحرير أو رئيس التحرير؟؟ لا شيء يمنع ذلك سوى عدم الثقة بقدراتها الصحافية القيادية في ظل توجه الدولة لإعطاء المرأة كراسي قيادية مشاركة لزميلها الرجل في مختلف المؤسسات، وربما يسند البعض السبب إلى عدم وجود كفاءات سعودية قادرة على هذه المناصب، مع العلم أن بعض زملائها الرجال أيضا يعانون من قلة الثقافة والضحالة الفكرية وكذلك المهنية التي طالما اتصفت بها بعض الصحفيات بسبب وجود فئة مجانية سيطرت على المهنة التي سمحت فيها المؤسسات الصحافية السعودية لأن تمثلها ضاربة بوجاهتها وسمعتها عرض الحائط.
وقد يقول البعض ان السبب عدم قدرة المرأة على الدخول إلى المطبعة ومتابعة الإخراج الصحافي وما إلى ذلك من قيامها بأعمال ميدانية قد تحتاج فيها إلى السفر وأقول انه سبب واهٍ لاعلاقة أبدا فيه بين قدرة المرأة وإمكاناتها وظروفها وبين هذين المنصبين، خاصة أن هناك قلة من الصحافيات اللاتي يستحقن هذه المناصب وهن قادرات على العمل الميداني والاحتكاك المباشر الذي تحكمه الأخلاق والاحترام كبقية الأعمال الأخرى التي تحتم على المرأة أن تختلط فيه بزملائها كحال المستشفيات مثلا.. المسألة محسومة والذي يعيق تقدمها في مناصب قيادية صحافية هو مجرد وجود الفكر الذكوري المسيطر على الصحافة السعودية والذي لا ينظر لها سوى أنها مجرد ديكور جمالي يزين به الصحيفة لكي يوصف بأنه تنويري ومنصف للمرأة ومتحمس لقضاياها.. وهنا أسأل من هو هذا الشجاع الذي يضرب التنظير بعرض الحائط وينزل على مرحلة التطبيق ويعين نائبة له في منصب نائب رئيس تحرير على الأقل.. من هو الذي سيكون رائدا في ذلك؟ سننتظر.