بحث



الخميس 2 ذي الحجة 1425هـ - 13 يناير 2005 م - العدد 13352

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


تواصل
القافلة والكلاب

أحمد أبو دهمان
    «الكلاب تنبح والقافلة تسير» هذا المثل ليس عربياً فقط، إنه مثل تجده في كل اللغات، وعادة ما تستخدم الأنظمة الحاكمة في العالم الثالث هذا المثل، في حالة تعرضها لنقد أياً كان جاداً أو مبتذلاً. ذلك أن من طبيعة الأنظمة الديكتاتورية ألا ترى إلا ما تود أن ترى، ولا تسمع إلا ما تود أن تسمع، وقد هيأ كل نظام ما يرضي هذه النزعة التسلطية من الكتبة والحجاب والمرتزقة بشتى صورهم.

أما المثقف، أما المناضل المعرفي العلمي، الذي يقود القافلة في الغرب وفي مجمل الأنظمة الديمقراطية، أو يجد على الأقل مكاناً يليق به في مقدمة القافلة، هذا المثقف يصبح كلباً في بلدان العالم الثالث، يقود القافلة أو هكذا يتوهم. يسبق القافلة الاجتماعية، يقدم لها تحليلاً عميقاً لكل مساراتها، لتاريخها، لتركيبتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، يمعن في قراءاته وتحليلاته، والقافلة تتراجع، وهو يتقدم، وبعض هؤلاء المثقفين يكر ويفر مقبلاً مدبراً معاً. لكن القافلة تتراجع. تعود إلى كهوفها، ينظر المثقف خلفه فلا يرى أحداً. يسمع أصواتاً تناديه من بعيد، تراجع أيها الكلب فالقافلة تتقدم إلى الوراء. يحل بين الطرفين ما يشبه القطيعة، كل منهما يتقدم على طريقته، وسيد القافلة يشعل الحرب على هؤلاء الكلاب الذين يفسرون التقدم إلى الخلف على أنه تراجع وإمعان في تغييب العقل والتاريخ. والمثقفون بدورهم يصرخون، ويمضون قدماً بعضهم إلى المعتقلات وبعضهم إلى التنازلات وبعضهم إلى الصمت وبعضهم إلى الغرب والمنافي.

في منافيهم يتحول بعضهم ثأراً لشخصه إلى آلة لخدمة مشاريع الهيمنة الغربية التي تحمل في تلافيفها بريقاً وأوهاماً ديمقراطية، ما كان في إمكانه أن يحققها وحده هذا البعض لم يتردد في المشاركة في الحروب التي خاضها الغرب وأمريكا تحديداً،بحجة إنقاذ هذا العالم الثالث من أنظمته التي تعيده إلى عصر الظلمات، بعضهم مترجماً أو جاسوساً أو جندياً. كل هذا لا يهم. إن كانت هذه الحروب تجعله في الطليعة للقضاء على سيد القافلة ومرتزقته، وتعبيد الطريق الذي يؤمن به من أجل الأخذ بالقافلة إلى طريق الصواب، إلى أن يكتشف مجدداً أن للغرب طريقاً آخر ليست أقل مأساوية من سابقتها. وحين يرفع صوته يجد من يقول له ثانية «الكلاب تنبح والقافلة تسير» وهنا يفقد هذا البعض طريقه ويصاب بما يمكن تسميته «عمى الكلاب» إلى أن يجد إحدى المؤسسات الاجتماعية المعروفة في الغرب برعايتها لهذه العينة من الكلاب الضالة، حيث توفر لها المأوى والضمان الصحي في ما يشبه دور العجزة أو مصحات المصابين عقلياً إلى أن يصل إلى نهاية الطريق - إلى الغياب المطلق. إلى اللحظة التي يتمنى فيها لو أنه ظل كلباً في بلاده ومع قافلته.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية