كنت في أضعف حالاتي، يأكلني الشعور بإحباط شديد وغضب لا حد له يفتت قلبي ويمصص أعصابي، عندما أشرقت عليّ كلمات من الشاعرة فاطمة القرني، أتت عبر البريد الإلكتروني، لتهيمي كالمزن، كالديمة على روحي، فتطفي الكثير من حرارة الغضب فيّ. ثم تلحق ذلك باتصال هاتفي، وبعدها يتلقف الفاكس قصيدة رائعة منها بعنوان (بغداد).
وما أن قرأت بغداد فاطمة، إلا وعاد يتفتق بي ألف جرح وجرح، حرقتني الرصافة والكرخ، وهاجت بي الأعظمية والكاظمية، مكتبة جامعة بغداد، وكلية الآداب وقاعاتها، وكوكبة الأدب والتاريخ، يبحرون بنا عبر الأزمنة. والدروس العملية في الصحافة، ورائحة الصحف بالأمكنة العتيقة. فرحة قدوم الأهل لنرى بغداد الأخرى بغداد الرشيد والسعدون وسمك المسكوف عند أبي نواس. يحمل لنا شعرا لا تتورد خدود النساء منه خجلا فقط، ولكنه يجهر بالممنوعات والمحظورات.
ويجعلني أتساءل بحكم كوني كنت أتعلم ألف باء الصحافة وأعرف الرقابة المشددة على الكثير الكثير من الأمور، بحيث يكاد يضيق الخناق بالشاعر والأديب.
أين الرقابة آن ذاك؟.
أم ترى حرية الرأي كانت متوفرة قديما أكثر وأكثر منها الآن رغم قرب عهدهم بولادة النور الإسلامي. بعدها رحت أقرأ الكثير عرفت أن الرقابة لم تكن موجودة، كان الشاعر ينثر شعره وعلى الناس أن يتدارسوه إن رأوه جميلا ويستحق الحفظ حفظته الصدور قبل الأوراق وإلا أهملوه.
تعود بي فاطمة لبغداد المتاحف والزوارق ونهر دجلة والأنوار تشع عليه ليلا وتتكسر على سطحه عند الغروب بموجات قوس قزحية.
أقرأ القصيدة بصوت عال، وكأنني أستحضر كل حواسي معها
(هذا السبيل.. وما إليك سبيل
أملت حتى ملني التأميل
غنيت لم أطرب.. صمتُّ فلم أثر
عجبا.. وما افتقد الخليل خليل!
الله يا (دار السلام) أكلما
صحت السلام.. دهى رحابك غول؟!)
هكذا نرتطم بواقع بغداد عبر قصيدة فاطمة، وتأخذنا إلى الروح الحالية لبغداد حيث تعايش الردى في صراع بالثواني،
(ساد الردى.. فتسيد الحلم الردى
يهديه من ذاكي الجراح فتيل
أغفو فتسري بي إليك مشوقة
روح قصارى جهدها التخييل)
تمضي الشاعرة ببغداد حتى تصل النهاية لتنثر الحلم والامل.
(وتضج بالنصر المبين مآذن
يعلو بها التكبير والتهليل)
أتأمل خيراً مع الغالية فاطمة أن تضج حقا المآذن رغم أن الموجود هو الغربان الناعقة.
وبغداد ليتها لم تغنِّها، وليتها لم تكن بهذا الحضور المريع في جوانحنا، ليتها بقيت بعيدة عن الأخبار والأشعار وعن قلمي وأقلام الكثيرين.
وليت الذين صفقوا لحرب العراق وإيران، تفهموا منذ البداية أن النتائج يحكم عليها من المقدمات، وعرفوا أن ذلك مسمار أول في تفتت العراق قوة ودولة. بغداد القصيدة لفاطمة القرني، لا تبكينا لأن البكاء لم يعد يشفينا ولا يغنينا عن بغداد. لكنها تجعل التاريخ ينهمر على رؤوسنا عله ينهمر على أعداء بغداد.
على كل القصيدة رائعة فعلاً ومؤثرة وهي منشورة في عدد ذي الحجة بالمجلة العربية.