بحث



الخميس 2 ذي الحجة 1425هـ - 13 يناير 2005 م - العدد 13352

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


للعصافير فضاء
مساحة حرة

نجوى هاشم
    لا أعرف سر ارتباطي باللغة، وجمالياتها منذ بداية عشقي للكتابة، أحببتها، تعلقت بها، ادمنت التعامل معها.

في مجموعتي القصصية الأولى "السفر في ليل الأحزان" طغت اللغة، وتجانست مع ظلال القصص، وشكلت انفتاحاً، وانغلاقاً هاماً لكل نص.

تجذبني اللغة بتفاصيلها أو صراعاتها، وإسقاط تناقضاتها من الداخل والخارج.

أشعر انها تكوين متجانس معي أقوى طرف فيه هي، نتبادل الاستلطاف والحب، تجمعنا المودة بعيداً عن علاقات المصالح.

قد انشغل عنها، لكنني أكون معها، وغيابي يشكل دائماً لي احساساً بالإدانة، وعدم الوفاء.

تبدو اللغة معي ملكاً خاصاً، بينما يعتقد الآخرون انها ملك عام يتجاذبونها، يلفقون التهم حولها، يرتجلون مفرداتها، يعاقبون متحدثيها، يتنافسون حولها بعيداً عن أي ديمقراطية حقيقية، يستخدمونها كيفما يشاءون يجمعون التكتلات حولها أحياناً، وعليها أحياناً أخرى.

يبدو بعضهم غير مؤتمن عليها، وهو عاجز عن قيادة نفسه فكيف بإمكانه قيادتها.

تشعر وأنت تتابع هؤلاء انك لابد ان تقيلهم وتجردهم من تعاملهم مع اللغة.

تتألم وأنت تراههم يبددون هيبتها، ومع ذلك لست مسؤولاً مباشراً عن إقالتهم.

سيادة اللغة ليست ابتكاراً خاصاً بك، والاحتفاء بها على امتداد التاريخ قديمه وحديثه، أيضاً لا يرسم حالة رومانسية صارخة ينبغي تجاوزها والقفز عليها، وإعلان فشلها، وحل كل تنظيم ساهم في هذا الاحتفاء.

سيادة اللغة تجعلها محاطة بقوة هائلة من الداخل، تجعل منها وحدة كاملة مستقلة منظمة بقانون يحميها من خطر الفوضى، وقهر المتطفلين، والشيخوخة والصراعات التي تدور حولها.

باستمرار ظلت اللغة، وستظل بعيدة عن كل المتغيرات الجذرية قادرة عن التعبير الحر عن نفسها، وتحديد مطالبها، واستخلاص حقوقها باستمتاع بالمعنى، واستعمار للمفردة.

ستظل كما هي تستوعب كل الجديد في حدود الحفاظ على المجد القديم الذي لايزال يأخذ مكانه تحت الشمس.

ومع ذلك لايزال يتعامل معها البعض من منطلق أخذ ما يريدون بقوة المطروح والآمن والسطحي، دون الرغبة في التفتيش داخل مكنوناتها يتعاملون مع ما يريدونه بما يرونه ممكناً من مفردات عادية، لا تدخل في نطاق تنمية الحس، أو الإدانة للعادي، أو التشبث بالوفاء للغة.

كثيرة هي تلك المفردات العادية، وان اعتبرها البعض واقعية أو مؤشرات يومية متكررة، ومتداولة مع العامة، وقريبة من ثقافتهم لكن من يتذوق اللغة قد لا تعجبه، وقد لا يتعامل معها على الاطلاق.

دون شك ليست اللغة منطقة تمليك لشخص ما لكنها ملك عام بالمفهوم الكبير وخاصة لمن اعتاد أن يلوذ بالصمت عند الاساءة في استخدامها، وتجاوز جمالياتها.

بعض الكلمات لا أذكر انني طوال تاريخي الكتابي قد استخدمتها، أو تعاملت معها أو اقتربت من حدودها، هي كلمات لا تعجبني ولا أجد لها مكاناً في مساراتي الكتابية ومنها مثلاً (مرحى) وغيرها، ومع ذلك اقف بعيداً عنها، وعلى الحياد مع غيرها. فاللغة التي اعشقها لغة تقدمية بها مساحة هائلة من الحركة وعدم التوقف والديناميكية، وعشق النماء، لغة تمتلك كل التفسيرات، والتبريرات الكافية لكل مفردة، لغة تتجذر قوتها مع واقعيتها، وروحها الرومانسية، لغة تواجه كل تمدن بروح قادرة على المواكبة بحرية حضارية وجذور عميقة، وقدرة كافية على الاختيار المسؤول.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية